وكذلك لو شرط في إيجابها شرط من غير قيام دلالة ووضوح حجة ، لم يسلم هذا القائل من أن يقال له : إنما ينتصب الشرط شرطا لشرط ، ثم كذلك القول في الثاني والثالث .
ومما يوضح مقصدنا أن نقول : العلة إنما توجب معلولها لنفسها وإيجابها حكمها من صفات النفس ، وصفات النفس لا يجوز أن تكون مشروطة بصفات زائدة على الأنفس .
وسنوضح ذلك من بعد إن شاء اللّه .
فإن قال قائل : فكيف يستقيم لكم ما قدمتموه مع قولكم بأن العلم مشروط بالحياة ، ووجود المحل وانتفاء الأضداد ؟ وهذا إفصاح بأن العلم لا يوجب إلا بشرائط .
قلنا : هذه غلطة ، فإن المشروط فيما ذكرتم وجود العلم لا إيجابه ، وإنما الكلام مفروض في استحالة كون العلة مشروطا . والذي ذكرتموه وجود العلم لا إيجابه ، وهذا بين لكل متأمل .
ثم اعلموا أن ما ذكرناه لا يستقيم على أصول المعتزلة ، فإنهم أثبتوا العلم معدوما غير موجب ، وأطلقوا القول بأن العلة توجب معلولها لذاتها ، ثم أثبتوا ذات العلم غير موجب .
فإذا طولبوا ، قالوا : إنه يوجب معلوله في الوجود ، وهذا نهاية التناقض . فإنهم إذا حكموا بأن العلة توجب لذاتها ، ينبغي أن لا يعرجوا بعد تحقق الذات على صفة بعدها . ثم الذي ذكروه تصريح باشتراط الوجود . ثم لا يجدون مخلصا ممن يقول بتوقف إيجابه بعد الوجود على صفة أخرى .
فإن راموا من ذلك انفصالا وقالوا : إنما يوجب العلم في عدمه مع تحقق ذاته من حيث لم يقم بذات ومحل . وهذا لا يغنيهم ، فإنه إكثار منهم لشرائط الإيجاب ، فكأنهم شرطوا الوجود وشرطوا القيام .
فإن قيل : أنتم تشترطون القيام أيضا . قلنا : لسنا نشترط القيام للإيجاب ، وإنما نشترطه لتحقق ذات العلم ، وأنتم تحققون ذاته من غير قيام ، وتصرفون القيام والوجود إلى شرائط الإيجاب ، ثم قد أبطلنا عليكم فيما سبق اشتراط قيام العلة بمن له الحكم منها بأوجه ، لا حاجة إلى إعادتها .
ومما يهدم عليهم هذه القاعدة : أن معظمهم صرحوا بأن السبب المولد موجب للسبب المتولد . وصرح الكعبي بتسمية السبب علة . ثم قالوا بأجمعهم : يجوز وجود السبب وانتفاء المسبب إذا تحقق مانع من وجود المسبب . فقال لهم : بم تنكرون على من يقول : العلة توجب ما لم يمنعها مانع من الإيجاب ؟
الشامل في أصول الدين — صفحة 401
مساهمون: عبد الملك الجويني
ص٤٠١