عليه . فإنهم إن ادعوا ذلك لفظا وإطلاقا ، فلا معول على الاطلاقات المنقسمة إلى الحقائق والتجوزات .
على أن الذي قالوا ينعكس عليهم في الألوان . فإنه يقال للزنجي أسود ولا يخصص ذلك ببعضه . ثم لم يقتص ذلك تعميم جملته بالسواد في حكم المعقول . وربما يتمسكون بفصول تتعلق بأحكام التكليف ، وهي عمدهم ، طالبونا فيها بتخصيص التكليف بالجزء الذي اختص العلم به ، ونشبع القول فيه في كتاب « الإنسان » إن شاء اللّه .
فصل [ العلة العقلية الموجبة لمعلولها لا يجوز أن يكون معلولها مشروطا بشرط ]
العلة العقلية الموجبة لمعلولها لا يجوز أن يكون إيجابها معلولها مشروطا بشرط .
والخائضون في العلل متفقون على ذلك ، ولكن لا سبيل إلى الاجتزاء بمحض الاتفاق .
والدليل عليه أن العلم لما كان علة في كون محله عالما ، فلو جوزنا أن يكون إيجابه حكمه موقوفا على شرط ، لم يخل من أحد أمرين : إما أن نجوز ثبوت العلم دون شرطه بالإيجاب ، وإما أن لا نجوز ذلك . ويجب أن يقارن شرط إيجاب العلة العلة . فإن جوزنا ثبوت العلم دون شرط إيجابه ، لزم منه محال مدرك استحالته بضرورة العقل ، وهو أن يثبت المرء علم بالسواد وهو غير عالم به .
وإن زعم المطالب أنه شرط إيجاب العلة يقارن بوجود العلة لزوما ، كان ذلك باطلا من وجهين : أحدهما : أن من حكم الشرط أن لا يلزم مقارنته لمشروطه . فإن الحياة لما كانت شرطا في العلم ، لم يجب وجود الحياة أبدا لموجد العلم . فيجب أن لا ينكر على مقتضي ذلك وجود العلم من غير وجود شرط الإيجاب ، ليثبت العلم غير موجب للحكم .
فإن الذي نتفاوض فيه نفيا وإثباتا ، ليس بشرط في وجود العلم وذاته ، فيجب تحققه مهما تحقق العلم . وإنما هو على تقدير المطالبة بشرط في إيجاب العلم الحكم لا في ذاته . وكل حكم مشروط يجوز انتفاؤه وانتفاء مشروطه . على أنهما لو اقتربا وتلازما ، لم يكن أحدهما بأن يكون شرطا ، والثاني علة أولى من عكس ذلك . وهذا يفضي إلى خلط الأبواب وقلب الأجناس عن حقائقها ، وفيه تعلق الحكم الواحد بشيئين ، وهذا مما نوضح إبطاله بعد ذلك .
ومما يعول عليه في ذلك أن نقول : العلة لا توجب معلولها بشرط ، كما لا توجب معلولها لعلة . إذ لو قلنا : العلة توجب العلة ، للزم ذلك في علة العلة ، ويتسلسل فيه القول .