فقد حان أن نشرع في المسلك الثاني مستمدّين من الله التوفيق انّه خير رفيق .
المقصد الثاني في المسلك الثاني
لا شكّ في وجود موجود ، فإن كان واجبا فهو المطلوب ، وإن كان ممكنا فلابدّ له من علّة ، فإمّا أن ينتهى إلى الواجب أو يلزم الدور أو التّسلسل وهما باطلان .
أمّا الأوّل فلا ستلزامه تقدّم الشئ على نفسه وتأخّره عن نفسه وهما محالان بالبديهة .
وأمّا الثاني ففيه طرق :
الطريق الأول - برهان التطبيق
وهو أنّه لو تسلسلت العلل إلى غير النهاية ، فيفرض من معلول معيّن بطريق التصاعد سلسلة غير متناهية ومن الّذى فوقه أخرى إلى غير النهاية « 1 » ثمّ نطبق الجملتين من مبدأيه بأن نفرض الأول من الثانية بإزاء الأول من الأولى والثاني بإزاء الثاني وهكذا . فإن كان بإزاء كلّ من الأولى واحد من الثانية لزم تساوى الكلّ والجزء وهو محال ، وإن لم يكن فقد وجد في الأولى جزء لا يوجد بإزائه جزء من الثانية ، فيتناهى الناقصة أوّلا ويلزم منه تناهى الزائدة أيضا ، لأنّ زيادتها بقدر متناه وهو قدر ما بين المبدأين ، والزائد على المتناهى بقدر متناه ، متناه ، فيلزم انقطاع السّلسلتين وقد فرضناهما غير متناهيتين وهذا خلف ، واعترض عليه من وجهين .
الوجه الأول - انّ البرهان جار في الحوادث اليوميّة والنفوس الناطقة بل في مراتب الأعداد فيلزم تناهيها بعين الدليل وهو باطل ، أمّا الأوّلان فعندهم وأمّا الثالث فبديهة ، وهذا الاعتراض غير وارد على مذهب المتكلمين ، فانّهم قالوا « 2 » بتناهى الحوادث والنفوس الناطقة ، وأمّا النقض بمراتب الأعداد فيعتذرون عنه بأنّه موهوم محض إذ لم يضبطها وجود أصلا ، فينقطع بانقطاع التوهم ، فلا يجرى فيه التطبيق بخلاف الحوادث فإنّها وإن لم يجتمع في الوجود فقد جمعها « 3 » الوجود الخارجي فليس موهوما محضا فتأمّل فيه .
وأمّا الحكماء فيحتجّون في الجواب إلى أنّ التطبيق انّما يجرى في الأمور الموجودة معا المترتبة
هامش
( 1 ) . وهو الذي فوقه أخرى غير متناهية أيضا . ر .
( 2 ) . يقولون . ح . ر .
( 3 ) . ضبطها . ر . ق .