إنّا « 1 » ننقل الكلام إلى زوال ذلك الوضع ، فإن كان لحدوث « 2 » الوضع اللّاحق وقد تقرّر عندهم أنّ الوضع السّابق بوجوده وزواله علّة لحدوث الوضع اللّاحق لزم الدّور
وإن كان لزوال الوضع السّابق وقد كان زواله جزء أخيرا من علّة حدوثه مجامعا له ، فيلزم كون علّة الحدوث والزوال أمرا واحدا بعينه ، « 3 » ضرورة أنّ تمام ما فرض علّة للزّوال « 4 » من المبادى القديمة والأوضاع المتعاقبة ، وزوال الوضع السّابق على هذا الوضع الّذى فرض مانعا ، هو بعينه علّة للحدوث .
وإن كان زوال ذلك الوضع لزوال أمر خارج « 5 » عن سلسلة الأوضاع ، أو لحدوث أمر آخر كذلك ، لزم أن يكون هناك سلاسل غير متناهية من الحوادث ، يستند آحاد كل منها في زوالها إلى آحاد الأخرى في وجودها أو زوالها ، والحوادث الغير المتناهية لا ينتظم إلّا بالحركات الغير المتناهية ، فيلزم ان يكون في الوجود أجسام غير متناهية متحرّكة وهو باطل .
وهذا ممّا لا يمكن التفصّى عنه بوجه يخلوا عن حزازة « 8 » ، إذ غاية ما يمكن أن يقال ، إنّ هذه الأوضاع غير موجودة في الخارج ، بل هي مفروضة كالآنات المفروضة في الزمان ، والحدود المفروضة في المسافة ، كما صرّح به الفارابي ، وإذا لم يكن موجودة في الخارج ، لا يقتضى « 6 » علّة موجودة في الخارج .
ولا يخفى ما فيه ، فإنّ تلك الأوضاع وإن سلّم أنّها غير موجودة فهي ليست فرضيّة محضة ، ضرورة أنّ الوضع المقارن للآن غير الوضع المقارن لمثل الآن من الأمس ، فإنّ العقل يشير إلى هذا الوضع ويحكم عليه بأنّه مقارن لهذا الان ، وبأنّه ليس مقارنا لذلك الان ، حكما صادقا مطابقا للواقع ، ولو حكم بعكس هذا لم يكن مطابقا للواقع « 7 »
ولو كان فرضا محضا لم يكن أحد الحكمين أولى بالصّدق من الآخر .
فهب إنّ ذلك الوضع غير موجود في الخارج إلّا أنّ له نحوا من الوجود ولو بالقوّة القريبة قربا لم
هامش
( 1 ) . لنا أن . ل .
( 2 ) . بحدوث . ف . ن .
( 3 ) . كون العلة في الحدوث والزوال امرا واحدا . ف .
( 4 ) . تمام ما نفرض علة الزوال . ن .
( 5 ) . لأمر خارج . خ - لزوال امر آخر خارج . ل .
( 6 ) . لما يقتضى . ن .
( 7 ) . مطابق الواقع . خ .
( 8 ) الحزازة : بفتح الحاء المهملة والزاءين المعجمتين الميل والعدول عن الطريق والتعسّف في الكلام .