ولمّا ابتدأت المعركة قام كلٌّ من الطائفتين بما خُوِّل إليهم من الأعمال ، فمن كان في مقدّم الصفوف يقاتل المشركين بسيفه ومن كان على الجبل يرشق العدو بسهامه ، حتّى انهزم العدو وتولّى وخرج عن ساحة الحرب وكانوا ثلاثة آلاف ، وعند ذاك امتلأ الوادي بما خلّفوه من الغنائم ، وحينما رآها الرماة ورأوا أنّ إخوانهم المسلمين يحوزونها دونهم ، عصف بهم ريح الطمع واختلفوا فيما بينهم وقال بعضهم : ما بقاؤنا هنا ، وتجاهلوا وصية الرسول وتشديده عليهم بالبقاء ، فقال لهم أميرهم عبد اللَّه بن جبير : امكُثوا ولا تُخالفوا أمر الرسول ، ولكنّ أكثرهم غادروا مواقعهم لانتهاب الأسلاب والأموال ، وتاركين أميرهم عبد اللَّه في نفر دون العشرة .
واللَّه سبحانه يشير إلى هذا التنازع والعصيان بقوله :
« حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ » .
كما أنّه سبحانه يشير إلى طمعهم في جمع الأموال والأسلاب ، بقوله :
« مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ » .
كما أنّه يشير إلى أنّ الرماة المستقرين على الجبل كانوا على قسمين بقوله :
الف : « منهُم
مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا »
وهم الذين تركوا مقاعدهم طمعاً بالغنيمة .
ب : « منهم
مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ »
وهم الذين ثبتوا في مواقعهم مع أميرهم عبد اللَّه بن جبير واستشهدوا - رضوان اللَّه تعالى عليهم - على يد خالد بن الوليد ومن معه . وذلك لأنّ خالداً لمّا رأى أنّ مؤخّرة المسلمين مكشوفة حيث أخلاها الرماة ، اغتنم الفرصة ، فهاجم مع جماعة من المشركين ، البقية الباقيةَ من الرماة ، وقاتل هؤلاء بشجاعة وحرارة حتّى استشهدوا جميعاً ، ولمّا انكشف ظهر المسلمين ، رجع المشركون - المنهزمون - إلى الميدان من وراء المسلمين وأحاطوا بهم من الخلف والأمام وأكثروا فيهم القتل والجراح ، ودارت الدائرة عليهم بعد أن كانت لهم .