إنّ تفسير هذه الآيات على وجه التفصيل لا يناسب وضع الرسالة ، فلنذكر خلاصة الآيات :
إنّ قوله سبحانه :
« وَما مُحَمَّدٌ »
يشتمل على العتاب والتوبيخ لمن شهد غزوة أُحد ، ويهدف إلى أنّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم ليس إلّا رسولًا من اللَّه مثل سائر الرسل ، ليس شأنه إلّا تبليغ رسالة ربّه ، لا يملك من الأمر شيئاً ، وإنّما الأمر للَّه ، والدين دين اللَّه باق ببقائه ؛ فما معنى اتّكاء إيمانكم على حياته حيث يظهر منكم أنّه لو مات أو قتل ، تركتم القيام بالدين ، ورجعتم القهقرى ، واتّخذتم الغواية بعد الهداية ؟ !
وهذا السياق أقوى شاهد على أنّهم عندما شاع خبر مقتله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أُحد ، انسلّوا عند ذلك وتولّوا عن القتال ، وسيوافيك بيانه عند عرض ما ورد في شأن الآيات ، ومعنى ذلك أنّ إيمانهم كان قائماً بالنبي يبقى ببقائه ويزول بموته .
ثمّ إنّه سبحانه يستثني من هذا السياق الشاكرين الذين لم يظهر منهم هذا الانقلاب ، أو لم يظهر منهم التولّي والانسلال حيث قال :
« وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ » .
كما أنّه سبحانه يذكر بقوله :
« وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ . . . »
قصة من مضى من أصحاب الأنبياء ، وفي الآية وعظ مشوب بعتاب وتشويق للمؤمنين بأن يأتمّوا بهؤلاء الربيّين ، فيعطيهم اللَّه ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة كما آتاهم .
قال ابن قيّم الجوزية : إنّ وقعة أُحد كانت مقدّمة وإرهاصاً - أي لوماً - بين يدي موت محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ونبّأهم ووبّخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أو قُتل . « 1 »
هامش
( 1 ) . زاد المعاد : 253 .