المسيحية ورفض العقل في مجال العقائد
بالرغم من إيماننا بأنّ شريعة المسيح من الشرائع السماوية ، ولها من المزايا ما لسائر الشرائع ، إلّا أنّنا نرى أنّ رجال الدين المسيحيين قد رفضوا العقل في مجال العقائد واستغنوا بالإلهام والإشراق ، فاعتقدوا بالتثليث وأنّه سبحانه واحد وفي الوقت نفسه ثلاثة ، فجمعوا بين الوحدة والكثرة الحقيقيين ، مع أنّ بداهة العقل تحكم بأنّ الشيء إمّا واحد وليس بكثير أو كثير ليس بواحد . فإذا سئلوا عن هذا التناقض أجابوا بأنّ التثليث وما شابهه ، من العقائد التي لا يُدرَك كنهُها بالعقل والبرهان وإنّما يجب الإيمان بها .
وبذلك أوجدوا فاصلًا كبيراً بين العقل والدين أو بين العلم والدين ، ورفعوا راية التضاد بين هذين المبدأين ، مع أنّ خاتم الشرائع - القرآن الكريم - يؤكد على تلازمهما وعدم انفكاكهما ، ويقول :
« وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ » .
« 1 »
نعم الدعوة إلى العقل والتفكير ليس بمعنى رفض سائر الطرق إلى معرفة اللَّه سبحانه كالإلهام والإشراق ، فإنّ الفتوحات الباطنية من المكاشفات والمشاهدات الروحية والإلقاءات في الروع غير مسدودة بنص الكتاب العزيز :
1 . قال سبحانه :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً »
« 2 » ، أي يجعل في قلوبكم نوراً تفرّقون به بين الحق والباطل وتميّزون به بين الصحيح والزائف ، لا بالبرهنة والاستدلال ، بل بالشهود والمكاشفة .
هامش
( 1 ) . الروم : 56 .
( 2 ) . الأنفال : 29 .