في تحقيق أهدافه السامية في كبح روح العناد لدى الخليفة ، ودفعه إلى استعتاب الثائرين ، وآية ذلك النجاح تأثّر الخليفة بكلامه وإقباله عليه ، الأمر الّذي حداه إلى مخاطبة الإمام بقوله : كلِّمِ الناس في أن يؤجّلوني حتّى أَخرُجَ إليهم من مظالمهم .
وعلى ضوء ما تقدّم ، يُعلم مغزى كلام الإمام عليه السلام وأنه ليس بصدد الحديث عن وفور علم عثمان ، وإنّما بصدد لفت نظره وتذكيره بمصاحبته للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، من أجل حثّه على مراعاة العدل ومجانبة الظلم والجور والرفق بالرعية وإنصافهم وغير ذلك من الأُمور العامة الّتي ينبغي أن يكون قد وعاها من حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته العظيمة . وعليه فإن ما استنتجه فضيلة الشيخ من أنّ كل ما يعلمه الإمام يعلمه عثمان ، ليس في محلّه ، وبعيد عن الصواب ، لغفلته أو تغافله عن ملاحظة الظرف الّذي صدر فيه كلام الإمام عليه السلام .
ونحن إذا غضضنا الطرف عن مسألة اختصاص الإمام برسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وملازمته له من لدن أن كان وليداً إلى آخر لحظات حياته صلى الله عليه وآله وسلم وانتهاله من نمير علمه وبحر عطائه ، ولم نأخذ بعين الاعتبار أيضاً مسألة الاختلاف الطبيعي بين الأشخاص في المواهب والقابليات والملكات ، ورجعنا إلى التاريخ ، فإنّنا لم نجد فيه من يدّعي المساواة بين علم عثمان وعلم أبي بكر وعمر فضلًا عن المساواة بينه وبين علم علي الّذي شاع فيه القول : إنّه أفصح الناس بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وأكثرهم علماً وزهداً وتنمّراً في ذات اللَّه تعالى .
قيل لعطاء بن أبي رباح : أكان في أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعلم من علي ؟ قال : لا واللَّه لا أعلم . « 1 »
وقالت عائشة : علي أعلم الناس بالسنّة . « 2 »
هامش
( 1 ) . أسد الغابة : 4 / 22 .
( 2 ) . مختصر تاريخ دمشق : 18 / 25 .