الخليفة عمّا نُقم عليه ، ويبالغ في إطرائه والثناء عليه ، وكأنّه لم يجترح آثاماً ، ولم يُحدث أحداثاً ، أو يُبدع بدعاً ؟ !
3 - روى الطبري عن الواقدي ، أنّ عبد اللَّه بن محمد حدّثه عن أبيه ، قال : لما كانت سنة 34 ه ، كتب أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بعضهم إلى بعض أن أقدموا ، فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد وكثر الناس على عثمان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد ، وأصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يرون ويسمعون ليس فيهم أحد ينهى ولا يذب إلّا نفير : زيد بن ثابت وأبو أسيد الساعدي وكعب بن مالك وحسان بن ثابت ، فاجتمع الناس وكلّموا علي بن أبي طالب ، فدخل على عثمان ، فقال : « الناس ورائي وقد كلّموني فيك ، واللَّه ما أدري ما أقول لك ، وما أعرف شيئاً تجهله ، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه ، إنّك لتعلم ما نعلم ، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ، ولا خلونا بشيء فنبلّغك ، وما خُصِّصنا بأمر دونك . . . » « 1 » .
إنّ الإمام عليه السلام باعتباره سفير الناس إلى الخليفة لاطّلاعه على تذمّرهم منه ونقمتهم عليه ، كان يتوخّى أفضل السبل لإنجاز مهمّته المتمثّلة في نصح الخليفة وإرشاده ، وتليين موقفه المتصلّب الرافض لاستعتابهم وتلبية مطالبهم ، ولهذا بدأ عليه السلام كلامه بهذا الأسلوب الرقيق الّذي يحرّك في النفس نوازع الخير من خلال التذكير بذلك العهد الّذي أظلّتهم فيه رحمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعدله واستقامته وخلقه المعطار .
ثمّ أعقبه بكلام يحمل في طيّاته تحذيراً شديداً من مغبّة التمادي في سلوك طريق الضلال والإضلال وفي إمامة السنّة وإحياء البدعة .
وقد نجح الإمام عليه السلام بهذا الأسلوب - الّذي يجمع بين الترغيب والتحذير -
هامش
( 1 ) . تاريخ الطبري : 3 / 375 ، حوادث سنة 34 ه .