المناقشة :
كان على فضيلة الشيخ أن يتأمّل مورد صدور الكلام من الإمام ، وانّه في أيّ موقف رفض بيعة القوم وقال : « دعوني والتمسوا غيري » . وأي خلافة رفضها ، وقال في حقها ما قال ؟
إنّ الذين أرادوه على البيعة هم الذين بايعوا الخلفاء السابقين ، وكان عثمان منهم ، وقد منع حقّ كثير منهم في العطاء ، فلمّا قُتِل قالوا لعلي :
نبايعك على أن تَسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر لأنّهما لا يستأثران بالمال لأنفسهما ولا لأهلهما فطلبوا من علي عليه السلام البيعة على أن يسير بسيرتهما ، فاستعفاهم وسألهم أن يطلبوا غيره ممّن يسير بسيرتهما ، ثمّ ذكر عدم قبوله في ذيل كلامه وهو « إنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول ، وان الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت » مشيراً إلى أنّ الشبهة قد استولت على العقول والقلوب ، وجهل أكثر الناس محجّة الحق ، ففي مثل هذه الظروف لا أقدر ان أسير فيكم بسيرة الرسول في أصحابه مستقلّاً بالتدبير ، لفساد أحوالكم ، وتعذر صلاحكم .
وقد صدق الخُبْر الخَبَر ، فلمّا قام الإمام بالأمر وقسّم الأموال بينهم بالعدل ، نكثت طائفة ، ومرقت أُخرى ، وقسط آخرون « 1 » .
فالذي رفضه الإمام هو الخلافة الّتي يتقمّصها الإمام عن طريق البيعة ، وأمّا الخلافة الإلهية الّتي ألبسها اللَّه سبحانه إيّاه يوم الغدير وغيره فلم تكن مطروحة لدى البائعين والإمام ، حتّى يستقيلها أو يقبلها .
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة : الخطبة 3 .