وفي آخر الآية عطف إلى أول الآيات وتحديد للغفلة بأنها إنما يكون وتتحقق في تفقهات القلوب ومبصرات العيون ومسموعات الآذان وأما شهادة النفس لنفسها ولربها فلا يحتجب بحجاب .
ثم إن في الآيات
وَإِذْ أَخَذَ . . .
إلخ إشارة كما علمت إلى أن هذا الموطن وإن أوجب منهم شهادة بالربوبية لكنّه لم يخل مع ذلك عن موحد ومشرك فقد انشعب عن هناك توحيد وشرك وفي تعبيره عن المشركين بالمبطلين في آخر الآيات إشارة إلى وجه انشعابهما فالابطال مع شهادة نفوسهم هو الموجب لشركهم مع توحيدهم « 1 » ولذلك لعله سبحانه عبر عن هذين الأمرين بالطوع والكره في قوله سبحانه :
وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
الآية وقوله تعالى :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ
الآية .
وهذا الأخذ والإشهاد هو الذي يعبر عنه سبحانه بالميثاق في قوله :
وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ
هامش
( 1 ) ويستفاد هذا من قوله تعالى :إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًاالآية ، ذكر سبحانه انّ الإنسان حمل أمانة لم تتحملها السماوات وغيرها وذلك انّه كان ظلوما جهولا ، ثم ذكر غاية هذا العرض والحمل بقوله سبحانه :لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماًالآية ، قسّم تعالى الإنسان في غاية هذا العرض إلى قسمين المنافق والمؤمن إشعارا بأن لا كافر هناك لعموم الحمل فلا رد وهو الميثاق ، وقوله :وَيَتُوبَ اللَّهُ . . .الخ ، دليل على أن السعادة من الله والتوبة منه ، وقوله :وَكانَ اللَّهُ . . .الخ ، في مقام تعليل العرض وإن المقتضى له صفة الغفران والرحمة وأمّا صفة التعذيب والانتقام ونحوهما فبعرض المغفرة والرحمة الخاصة إذ ظهور النجاة في العالم يستدعي وجود هالكين ومستحقين فيهم النجاة كما لا يخفى وإذا تدبّرت في هذه الآية وجدتها من آيات الشفاعة والله الهادي .