تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة التوحيد — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
وكانت الأمة العربية قبائل متخالفة في النزعات ، خاضعة للشهوات ، فخر كل قبيلة في قتال أختها ، وسفك دماء أبطالها ، وسبى نسائها ، وسلب أموالها ، تسوقها المطامع ، إلى المعامع ، ويزين لها السيئات ، فساد الاعتقادات ، وقد بلغ العرب من سخافة العقل حدا صنعوا فيه أصنامهم من الحلوى ثم عبدوها ، فلما جاعوا أكلوها ، وبلغوا من تضعضع الأخلاق وهنا قتلوا فيه بناتهم تخلصا من عار حياتهن أو تنصلا من نفقات معيشتهن ، وبلغ الفحش منهم مبلغا لم يعد معه للعفاف قيمة . وبالجملة فكانت ربط 116 النظام الاجتماعي قد تراخت عقدها في كل أمة ، وانفصمت عراها عند كل طائفة 117 . أفلم يكن من رحمة الله بأولئك الأقوام أن يؤدبهم برجل منهم يوحى إليه رسالته ، ويمنحه عنايته ، ويمده من القوة بما يتمكن معه من كشف تلك الغمم ، التي أظلت رؤوس جميع الأمم ؟ نعم ، كان ذلك ، وله الأمر من قبل ومن بعد . * * * في الليلة عشرة 118 من ربيع الأول عام الفيل « 20 إبريل سنة 571 من ميلاد المسيح عليه السلام » ولد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي ، بمكة . ولد يتيما ، توفى والده قبل أن يولد ، ولم يترك له من المال إلا خمسة جمال وبعض نعاج 119 وجارية . ويروى أقل من ذلك . وفي السنة السادسة من عمره فقد والدته أيضا فاحتضنه جده عبد المطلب . وبعد سنتين من كفالته توفى جده فكفله من بعده عمه أبو طالب ، وكان شهما كريما غير أنه كان من الفقر بحيث لا يملك كفاف أهله . وكان صلى الله عليه وسلم من بنى عمه وصبية قومه كأحدهم على ما به من يتم فقد فيه الأبوين معا ، وفقر لم يسلم منه الكافل والمكفول ، ولم يقم على تربيته مهذب ، ولم يعن بتثقيفه مؤدب ، بين أتراب من نبت الجاهلية ، وعشراء من حلفاء الوثنية ، وأولياء من عبدة الأوهام ، وأقرباء من حفدة الأصنام ، غير أنه مع ذلك كان ينمو ويتكامل بدنا وعقلا ، وفضيلة وأدبا ، حتى عرف بين أهل مكة وهو في ريعان شبابه بالأمين ، أدب إلهي لم تجر العادة بأن تزين به نفوس الأيتام من الفقراء ، خصوصا مع فقر القوام فاكتهل صلى الله عليه وسلم كاملا والقوم ناقصون ، رفيعا والقوم منحطون ، موحدا وهم وثنيون ، رسالة التوحيد -