رسالة محمد ( صلى اللّه عليه وسلم )
ليس من غرضنا في هذه الوريقات أن نلم بتاريخ الأمم عامة وتاريخ العرب خاصة في زمن البعثة المحمدية ؛ لنبين كيف كانت حاجة سكان الأرض ماسة إلى قارعة تهز عروش الملوك وتزلزل قواعد سلطانهم الغاشم ، وتخفض من أبصارهم المعقودة بعنان السماء
113
إلى من دونهم من رعاياهم الضعفاء ، وإلى نار تنقض من سماء الحق على أدم الأنفس البشرية لتأكل ما اعشوشبت به من الأباطيل القاتلة للعقول ، وصيحة فصحى تزعج الغافلين ، وترجع بألباب الذاهلين ، وتنبه المرءوسين إلى أنهم ليسوا بأبعد عن البشرية من الرؤساء الظالمين ، والهداة الضالين ، والقادة الغارين ، وبالجملة تثوب بهم إلى رشد يقيم الإنسان على الطريق التي سنها الله له :
« إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ »
114
. ليبلغ بسلوكها كماله ، ويصل على نهجها إلى ما أعد في الدارين له ، ولكنا نستعير من التاريخ كلمة يفهمها من نظر فيما اتفق عليه مؤرخو ذلك العهد نظر إمعان وإنصاف .
كانت دولتا العالم
115
: دولة الفرس في الشرق ودولة الرومان في الغرب - في تنازع وتجالد مستمر : دماء بين العالمين مسفوكة ، وقوى منهوكة ، وأموال هالكة ، وظلم من الإحن حالكة ، ومع ذلك فقد كان الزهو والترف والإسراف والفخفخة والتفنن في الملاذ بالغة حد ما لا يوصف في قصور السلاطين والأمراء والقواد ورؤساء الأديان من كل أمة . وكان شره هذه الطبقة من الأمم لا يقف عند حد ، فزادوا في الضرائب وبالغوا في فرض الإتاوات حتى أثقلوا ظهور الرعية بمطالبهم ، وأتوا على ما في أيديها من ثمرات أعمالها . وانحصر سلطان القوى في اختطاف ما بيد الضعيف ، وفكر العاقل في الاحتيال لسلب الغافل ، وتبع ذلك