ترقى الأديان بترقى الإنسان وكمالها بالإسلام « 1 »
جاءت أديان ، الناس من فهم مصالحهم العامة ، بل والخاصة ، في طور أشبه بطور الطفولة للناشئ الحديث العهد بالوجود ، لا يألف منه إلا ما وقع تحت حسه ، ويصعب عليه أن يضع الميزان بين يومه وأمسه ، وأن يتناول بذهنه من المعاني ما لا يقرب من لمسه ، ولم ينفث في روعه من الوجدان الباطن ما يعطفه على غيره من عشيرته أو ابن جنسه ، فهو من الحرص على ما يقيم بناء شخصه ، في هم شاغل عما يلقى إليه فيما يصله بغيره ، اللهم إلا يدا تصل إلى فمه بطعام ، أو تسنده في قعود أو قيام ، فلم يكن من حكمة تلك الأديان أن تخاطب الناس بما يلطف في الوجدان ، أو يرقى إليه بسلم البرهان ، بل كان من عظيم الرحمة أن تسير بالأقوام - وهم عيال الله - سير الوالد مع ولده في سذاجة السن ، لا يأتيه إلا من قبل ما يحسه بسمعه أو ببصره ، فأخذتهم بالأوامر الصادعة ، والزواجر الرادعة . وطالبتهم بالطاعة ، وحملتهم فيها على مبلغ الاستطاعة ، كلفتهم بمعقول المعنى جلى الغاية وإن لم يفهموا معناه ، ولم تصل مداركهم إلى مرماه ، وجاءتهم من الآيات بما تطرف له عيونهم ، وتنفعل به مشاعرهم ، وفرضت عليهم من العبادات ما يليق بحالهم هذه
138
.
هامش
( 1 ) العنوان للناشر ، وهو لتنبيه ذهن القارئ فان الموضوع من أهم حكم الدين وحجة علمية اجتماعية على نسخ الإسلام لما قبله من الشرائع ، وعلى كونه الدين الأخير الّذي لا يحتاج البشر إلى الأنبياء والوحي السماوي بعده ، وقد اشتدت الحاجة إلى بيان ذلك في هذا العصر ، ولم يسبق الأستاذ الإمام إليه أحد فيما نعلم .