لمّا كان المؤمن في نيّته أن يعبد اللّه حقّ عبادته ، ويتلو كتابه حقّ تلاوته إلّا أنّه لا يتيسّر له ذلك كما يريد وبالجملة ، لا يوافق عمله ما في نيّته كما ورد في الحديث : « نيّة المؤمن خير من عمله » فالقرآن يتجلّى لكلّ طائفة بصورة من جنسهم ، إلّا أنّه أحسن في الجمال والبهاء ، وهي الصورة الّتي لو كانوا يأتون بما في نيّتهم من العمل بالقرآن لكان لهم تلك الصورة ، وإنّما لا يعرفونه كما ينبغي لأنّهم لم يأتوا بذلك كما ينبغي وإنّما يعرفونه بنعته ووصفه ، لأنّهم كانوا يتلونه وإنّما وصفوا اللّه بالحلم والكرم والرحمة حين رؤيتهم [ له ] لما رأوا في أنفسهم في جنبه من النقص والقصور الناشئين من تقصيرهم يرجون من اللّه العفو والكرم والرحمة ، وإنّما كان حجّة اللّه على خلقه ، لأنّه أتى بما يجب عليهم الائتمار والانتهاء عنه .
وأمّا قوله : « فمنهم من صانني » فمعناه أنّه أتى بما كان في وسعه . . . ومع ذلك كان في نيّته أن يأتي بأحسن منه وإن لم يتيسّر له ، وإنّما يشفع لمكان النيّة . ولعلّ رجوعه في صورة الرجل الشاحب لسماعه الوعيد الشديد ، وهو وإن كان لمستحقّيه إلّا أنّه لا يخلوا من تأثير لمن يطّلع عليه ، انتهى . « 1 »
وقيل « 2 » : لعلّ تغيّر صورته للغضب على المخالفين ، أو للاهتمام بشفاعة المؤمنين ، كما في قوله عليه السّلام : « يقوم السقط مخبطا على باب الجنّة » . « 3 »
وقال مولانا الفاضل محمّد صالح المازندراني - قدّس اللّه روحه - :
وكأنّ هذه الصورة هي الّتي حدثت بملامسة العصاة ، وهي موجودة أيضا في هذه الدار ، إلّا أنّها لا تراها الأبصار ، والصورة السابقة صورته الحقيقيّة الّتي ناشية بذاته وكمالاته ، « 4 » انتهى .
ويمكن أن يقال : إنّ هذه الصورة هي الّتي حدثت وقت مجادلة الرجل الشيعي به أهل الخلاف ، فإنّ من يجادل خصمه لا يخلو من تغيّر ، إمّا للغضب عليه أو لإيذائه له ، ورجمه إيّاه بالقول ، أو لخوف أن يغلب ، أو لغير ذلك ؛ ولكنّه ما كان على وجه تدركه الأبصار ، لضعفها
هامش
( 1 ) راجع : الوافي 9 : 1696 وعنه : مرآة العقول 12 : 477 .
( 2 ) المراد بهذا القائل صاحب البحار ، على مؤلّفها رحمة اللّه الملك الغفّار منه رحمه اللّه .
( 3 ) مرآة العقول 12 : 476 .
( 4 ) شرح أصول الكافي 11 : 7 .