الذات ، ونسبة الذات إلى جميع الممكنات على السواء ، فإذا ثبت قدرته على بعضها ثبت على كلّها ؛ فأيّة غرابة بعده في جعل القرآن على مثال جسدانيّ وهيكل إنسانيّ قادر على التكلّم باللسان اللحمي ، والشفاعة لقاريه ومن جادل المخالفين فيه ، ونحو ذلك من ذهابه وايابه ، وتغيير صورته وما شاكل ذلك ، كما هو صريح هذه الأخبار .
ثمّ قال :
وقال بعض المعاصرين : تكلّم القرآن عبارة عن إلقائه إلى السمع ما يفهم منه المعنى ، وهذا هو معنى حقيقة الكلام ، ولا يشترط فيه أن يصدر من لسان لحميّ ، وكذا تكلّم الصلاة ، فإنّ من أتى الصلاة بحقّها وحقيقتها نهته الصلاة عن متابعة أعداء الدين وغاصبي حقوق الأئمّة الراشدين الّذين من عرفهم عرف اللّه ، ومن ذكرهم ذكر اللّه .
وفيه أنّ التكلّم بهذا المعنى لا يستبعده أحد « 1 » ، انتهى كلامه رفع مقامه .
وأراد ببعض المعاصرين صاحب الوافي قدّس سرّه فإنّ هذا الكلام مذكور فيه « 2 » ؛ وأمثال هذه التأويلات من دأبه ودأب نظرائه وإن كانت في الحقيقة ردّا للأخبار ، وطعنا في الآثار ، وإنّى شديد العجب منهم أنّهم كيف يجترءون على تلك التكلّفات الركيكة في أمثال هذه الأخبار الشريفة ؛ وفي كتبهم ورسائلهم من الأقوال ما لا يرضى به مسلم على حال من الأحوال ، وهي مبنيّة على أساسهم ، وناشية من لوازم كلماتهم ، ونتائج مقدّماتهم ؛ فإنّهم لمّا دخلوا في العلوم الفلسفيّة قبل رسوخ أقدامهم في العلوم الشرعيّة ، وقد طال مكثهم فيها ، ونشأهم بها ، وأشربوا في قلوبهم أقوالهم جلّها ، بل تلقّوا بالقبول كلّها ، ثمّ أرادوا أن يطبقوا العلوم الشرعيّة على الفلسفيّة ، ولا يكاد يمكن هذا حتّى يلج الجمل في سمّ الخياط ، جاءوا بما لا يكون إلّا ظلما وزورا ، لا يزيد صاحبه إلّا ضلالا وغرورا ؛ فطوبى لمن كان كما قال سيّدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين » « 3 » واللّه الموفّق والمعين .
هذا ، وقال صاحب الوافي قدّس سرّه فيه في شرح أوّل هذا الحديث :
هامش
( 1 ) شرح أصول الكافي 11 : 9 .
( 2 ) الوافي 9 : 1698 .
( 3 ) معاني الأخبار : 35 .