أقول : ملخّص الكلام في هذا المقام أنّ من حصّل أسباب السعادة ومات عليها بعث بها ، وكذلك من حصّل أسباب الشقاوة ومات عليها بعث بها ؛ فلكلّ نفس بذاتها وباعتبار البدن نعيم وجحيم ، نعيمها فضائلها ، وجحيمها رذائلها ؛ فكلّ أحد حال حياته الدنياويّة إمّا في النعيم أو الجحيم ، لكنّه في هذه الدار لا تدركه الأبصار ؛ لأنّه مستور عليه ومشغول عنه ، فإذا فارقت نفسه البدن بفساد الروح الحيواني الّذي به يتحقّق الموت ظهرت هذه الفضائل والرذائل إمّا بصورة النعيم ، أو الجحيم ، فتعود إلى أحدهما بعد الموت والحشر .
وإلى ذلك الإشارة بقوله : « كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون « 1 » » والأحاديث الواردة في أنّ الناس يبعثون على صور مختلفه بحسب أخلاقهم كثيرة ؛ كقوله صلّى اللّه عليه وآله : « يحشر الناس يوم القيامة على وجوه مختلفة . »
وقوله : « يحشر بعض الناس على صور يحسن عندها القردة والخنازير . »
وقوله : « يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف : ركبانا ومشاة وعلى وجوههم « 2 » » .
قيل : والسرّ في ذلك أنّ لكلّ خلق من الأخلاق المذمومة والهيئات الرديّة المتمكّنة نوعا من أنواع الحيوانات ، وبدنا مختصّا بذلك ، كصور أبدان الأسود ونحوها لخلق التكبّر والتهوّر ، وأبدان الثعالب وأمثالها للخبث والروغان ، وأبدان القردة ونحوها للمحاكات والسخريّة ، والخنازير للحرص والشهوة ، إلى غير لذلك وذلك قال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ما معناه : إنّه يحشر من خالف الإمام في أفعال الصلاة ورأسه رأس حمار . « 3 » فإنّه إذا عاش في المخالفة الّتي هي عين البلاهيّة والحماريّة تمكّنت فيه ، ولتمكّن البلاهة فيه يحشر على صورة الحمار .
وفي كتاب روضة الواعظين عن قيس بن عاصم ، قال : وفدت مع جماعة من بني تميم على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فدخلت عليه وعنده الصلصال بن الدلهمس ، فقلت : يا نبيّ اللّه ! عظنا موعظة ننتفع بها فإنّا قوم نعيش « 4 » في البريّة .
هامش
ر . ك : مشكاة الأنوار علّامهء مجلسي ، مصحّح : عبد الحسين طالعى ص 79 - 78 .
( 1 ) عوالي اللئالي 4 : 72 .
( 2 ) راجع : مسند أحمد 2 : 354 .
( 3 ) راجع : تذكرة الفقهاء 4 : 345 .
( 4 ) في المصدر : نعير ( أي نتردّد ) .