فأما ما يحكى عن الحسن البصري من وصفه مرتكب الكبيرة بأنه منافق فمما لا شبهة فيه ، لأن المنافق هو الذي يظهر خلاف ما في باطنه ، ومن كان مظهر المعصية التي يستحق عليها العقاب لا يكون منافقا ، لأن اليهود والنصارى لما أظهروا معاصيهم التي بها كفروا لم يجز أن يوصفوا بالنفاق .
وقد تعلق الخوارج في نصرة قولهم بأشياء :
منها : قوله تعالى
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
« 1 » ، ومنها قوله تعالى
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ . ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ . وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ . تَرْهَقُها قَتَرَةٌ . أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
« 2 » ، ومنها قوله تعالى
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
« 3 » ، وهذا يقتضي أن كل من يسودّ وجهه لا يكون إلا كافرا ، ومنها قوله تعالى
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
« 4 » ، ومنها قوله تعالى
وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ
« 5 » .
فيقال لهم فيما تعلقوا به : أولا : هذه الشبهة مبنية على عموم لفظة « من » ، ونحن نخالف في ذلك ، وقد بيّنا فيما تقدم أن لفظة « من » غير عامة بظاهرها ، وأن العموم فيها أو الخصوص انما يعلم بدليل ، ولا ظاهر لهذه الآية يتعلق به الخوارج . ولو سلم لهم مسلم الظاهر ، لجاز تخصيصه بالأدلة القاطعة .
والجواب عن ثانيها : أن هذه الآية انما يستفاد بظاهرها أن النار المتلظية الموصوفة في الآية لا يصلاها إلا من كذّب وتولّى ، بقي عليهم أن يدلوا على أنه لا نار للّه تعالى سوى هذه الموصوفة ، فلا دليل على ذلك .
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 44 .
( 2 ) سورة عبس : 38 - 42 .
( 3 ) سورة آل عمران : 106 .
( 4 ) سورة التوبة : 49 .
( 5 ) سورة سبأ : 17 .