تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خلافة الإمام علي ( ع ) بين النصوص الدينية والتغطية الإعلامية — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
لأنّ قوله تعالى :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
يدلّ على أهميّة الحكم المنزل الّذي أمر النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بتبليغه ، ويدلّ على أنّ في التّبليغ مخافة الخطر على نفس النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أو على دين اللّه . ومن البديهي أنّ الخطر المذكور لم يتوجّه إلى النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من أهل الكتاب حتّى يستدعي وعد اللّه بالعصمة منهم ، بل المعلوم من حال النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قد بلّغ ما أمر به لأهل الكتاب ، حتّى في أوائل هجرته إلى المدينة وعند حدّة اليهود وشدّتهم ، حتّى انتهى إلى وقائع خيبر وغيرها . وقد قام النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بتبليغ ما هو أشدّ من ذلك ، وهو تبليغ التّوحيد ونفي الوثنيّة إلى كفّار قريش ومشركي العرب ، وهم أغلظ جانبا ، وأشدّ بطشا ، وأسفك للدّماء ، وأفتك من اليهود وسائر أهل الكتاب . هذا مع أنّ اليهود حين نزول سورة المائدة وآياتها قد كسرت شوكتهم وخمدت نيرانهم ، فلا معنى لخوف رسول اللّه منهم في دين اللّه ، بل دخلوا يومئذ في السّلم وقبلوا الجزية ، فلا معنى لتقريره تعالى لنبيّه خوفه منهم ، ولا معنى أيضا لاضطراب النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في تبليغ أمر اللّه إليهم . فحينئذ لا ينبغي الشّك في أنّ الآية لا تشارك الآيات السّابقة عليها واللّاحقة لها في سياقها ، بل هي آية مفردة نزلت في تبليغ أمر الخلافة ، وهي ظاهرة في أنّ هناك أمرا هامّا ، قد أمر اللّه نبيه بتبليغه إلى النّاس ، وكان النّبي يخافهم لأنّه ثقيل على أنفسهم ، فتأخّر ، وينتظر الظّروف المناسبة تجنّبا عن الاصطدام بالمنحرفين . لكنّ اللّه تعالى حثّه على التّبليغ حالا ، ودون أن يحسب حسابا لأيّ اعتبار ، بل وعد عصمته عن كل مكروه بقوله :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
وهدّده على التّرك بقوله :
وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ
. فلا يكون المراد من الأمر المهمّ الّذي أمر النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بتبليغه إلّا ولاية عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، كما يقول به الإماميّة . نعم ، كان النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يخشى إذا نصّ على خلافة عليّ أن يتّهم بالمحاباة والتّحيّز