أنّ عليّا عليه السّلام كان أحقّ النّاس بهذا المنصب الخطير ، ثم اتّسع الخلاف في التّشريع أيضا بعد ما كان من الأوّل محصورا في الخلافة فقط فنقول :
الدّور الأوّل : كان التّشريع فيه عند أتباع الخلفاء الرّاشدين يتمثّل في اجتهاد الخلفاء الرّاشدين ، لأنّهم على زعمهم كانوا أكثر النّاس فهما لكتاب الله وسنّة رسوله ، وكان الخلفاء إذا لم يجدوا بهما نصّا لجئوا إلى القياس والرّأي ، ثم بعد ظهور الخطأ والفضاحة كانوا يلجئون إلى علي بن أبي طالب ، إذ قولهم لعليّ : يا علي لولاك لافتضحنا موجود في كتب الفريقين .
ولكنّ الشّيعة كانوا يرجعون إلى علي بن أبي طالب عليه السّلام في أمور دينهم ، لأنّه يعلم كلّ ما يرتبط بالدّين من دون الحاجة إلى اجتهاد أصلا ، إذ الاجتهاد إنّما هو سلاح من لا يعلم الواقع ، وعلي بن أبي طالب كالنّبيّ الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يعلم الواقع . فكما لم يكن الاجتهاد ضروريا في عهد الرّسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم باتّفاق جميع المسلمين ، لأنّ النّاس يرجعون إليه في أمور دينهم ، فكان النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يبيّن لهم كلّ ما يحتاجون إليه من دون اجتهاد ، كذلك الإمام علي يبيّن للناس أمور دينهم من دون اجتهاد أصلا لأنّ الاجتهاد في الدّين معناه بذل الجهد في استنباط الأحكام الشّرعية من القرآن والسّنّة ، وعلي بن أبي طالب كان عالما بها من دون الحاجة إلى بذل الجهد . كيف لا يكون عليّ كذلك وهو باب مدينة علم رسول الله ؟ حيث قال رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، فمن أراد العلم فليأته من الباب » « 1 » .
هذا ما أكّده قول علي عليه السّلام : « سلوني قبل أن تفقدوني » « 2 » .
هامش
( 1 ) - « ينابيع المودّة » للقندوزي الحنفي : ج 1 ص 64 .
( 2 ) - « ينابيع المودّة » للقندوزي الحنفي : ج 1 ص 65 .