قول علي عليه السّلام لعمر ، حينما شدّد عليه لمبايعة أبي بكر : « احلب حلبا لك شطره واشدد له اليوم يردّه عليك غدا » « 1 » .
فإذا كان هؤلاء يؤكّدون على الاستخلاف دفعا للفرقة والفتنة ، فكيف نصدّق بأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ترك الأمر دون استخلاف أصلا ؟ ! إذ لا يمكن أن يقال في حق النّبي الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأنّه لم يكن يعلم ما علمه أبو بكر وعائشة وعبد اللّه بن عمر ، وما يعلمه كلّ النّاس بالبداهة من اختلاف الآراء وتشتّت الأهواء ، عندما يوكّل إليهم أمر الاختيار ، وبالخصوص إذا كان الأمر يتعلّق بالرّئاسة واعتلاء منصّة الخلافة فتجاهل أهل السّنّة عن النّص على خلافة علي بن أبي طالب عليه السّلام وتمسّكهم بالشّورى ، ليس إلّا تغطية لحقّ علي عليه السّلام ، مع أنّهم يعلمون بأنّ خلافة عمر كانت بنصّ من أبي بكر لا بالشّورى .
ويعلمون بأنّه قد أجمعت الأمّة الإسلاميّة قاطبة سنّة وشيعة على خلافة علي عليه السّلام واختلفوا على خلافة غيره . إلّا أنّهم تركوا ما اتّفق عليه الجميع وشقّوا عصا المسلمين ، ورفضوا النّصوص المتواترة ، وأخذوا بالظّنّ والاجتهاد . ولم يكن ذلك إلّا تغطية لحقّ أهل بيت الرّسالة .
وممّا يؤيّد ذلك أنّ بيعة أبي بكر ، إنّما تمّت بالإكراه والتّهديد ، كما سبق تفصيل ذلك ، ولكن حينما بايع النّاس عليّا بعد مقتل عثمان انطلقت الأصوات ترجّ المدينة في فرح بالبيعة لعلي عليه السّلام ، وكانوا يكبّرون ويهلّلون « 2 » .
وتعرف مرتبة علي وأبي بكر من كلامهما بعد أخذ مقاليد السّلطة ، فقال علي بن أبي طالب عليه السّلام لابن عبّاس مشيرا إلى نعله : « واللّه لهي أحبّ من إمرتكم ، إلّا أن أقيم حقّا أو أدفع باطلا » « 3 » .
هامش
( 1 ) - « الإمامة والسّياسة » لابن قتيبة : ج 1 ص 11 .
( 2 ) - « عليّ إمام المتقين » لعبد الرّحمن الشّرقاوي : ج 1 ص 217 .
( 3 ) - « نهج البلاغة » : الخطبة 33 .