ومن البديهي أنّه لا يليق بجلال الله سبحانه أن يترك أمّة بدون إمام ، وهو القائل :
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ
« 1 » ، كما لا يليق برحمة رسول الله أن يترك أمّته بدون راع .
وأنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان لا يتركها كذلك في الأسفار القصيرة ، وإنّما كان يعيّن مكانه من ينوب عنه .
وكيف يترك أمّته بدون راع ، وإنّه كان يخشى عليهم الفرقة والانقلاب على الأعقاب ، ويعلم تنافسهم على الدّنيا حتّى يضرب بعضهم رقاب بعض ويتبعون سنن اليهود والنّصارى « 2 » .
فإذا كانت أمّ المؤمنين عائشة بنت أبي بكر تبعث إلى عمر بن الخطّاب حين طعن فتقول له : « استخلف على أمّة محمّد ولا تدعهم بعدك هملا ، فإنّي أخشى عليهم الفتنة » « 3 » .
وإذا كان عبد الله بن عمر يدخل على أبيه حين طعن فيقول له : « إنّ النّاس زعموا أنّك غير مستخلف ، وإنّه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثمّ جاءك وتركها رأيت أن قد ضيّع ، فرعاية النّاس أشدّ » « 4 » .
وإذا كان أبو بكر ، وهو الّذي استخلفه المسلمون بالشّورى ، يحطّم هذا المبدأ ويسارع إلى استخلاف عمر من بعده بحجّة قطعه دابر الخلاف والفرقة والفتنة .
مع أنّ الأمر لم يكن كذلك ، بل كان استخلاف عمر جزاء له ، لأنّ عمر بن الخطّاب هو الّذي أسّس وشيّد خلافة أبي بكر يوم السّقيفة ، كما يؤكّد على ذلك
هامش
( 1 ) - سورة الرّعد : 7 .
( 2 ) - « صحيح البخاري » : ج 4 ص 144 .
( 3 ) - « الإمامة والسّياسة » لابن قتيبة : ج 1 ص 23 .
( 4 ) - « صحيح مسلم » : ج 6 ص 5 باب الاستخلاف وتركه .