وعندما عاد أبو بكر ، استفسر من النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن العلّة والسّبب ، فأجابه النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الأمين هبط إليّ عن اللّه عزّ وجلّ إنّه لا يؤدّي إلّا أنت أو رجل منك ، وعليّ منّي وأنا من عليّ ، ولا يؤدّي عنّي إلّا أنا أو عليّ » « 1 » .
وفي الحقيقة : إنّ مفاد الوحي « أو رجل منك » ، يعني الحليف وإشارة إلى الحلف الّذي قد تمّ بينهما بأمر من الله جلّ وعلا ، ويفسّره ما كان من اختياره لعليّ بن أبي طالب عليه السّلام بقوله : « عليّ منّي وأنا من عليّ » . ومراده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّ البلاغ نيابة لا يتحقّق في رسالة السّماء إلّا فيمن يماثلني ، وقصده من ذلك أنّ شخصا يستطيع البلاغ نيابة عنّي فيما إذا كان يماثلني وفقا للعهد أو الحلف ويشابهني من حيث الرّفعة والمقام وعليّ بن أبي طالب خير أنموذج وخير نائب ، وهو الّذي عاهدني بأمر من الله تعالى على أن يؤازرني ، وعقدت معه حلف المؤاخاة والمؤازرة ، وهو الّذي يستحقّ النّيابة عنّي دون منازع ، وبذلك يتحقّق مصداق قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : اعلم يا أبا بكر ، لو كان مصداق الوحي أن يتحقّق البلاغ نيابة بواسطة أحد أصحابي وأهلي ، لما بعثت عليّا خلفك .
وإذا كان المراد هو أحد أفراد عشيرتي ، لكنت قد اخترت عمّي العبّاس وأرسلته إليك ليؤدّي عنك ، فهو أكبر سنّا وأحسن صوتا وأرفع شأنا ومقاما بين القبائل من قريش ، ولكن مفاد الوحي لا ينطبق عليك يا صديقي في الغار ، ولا على عمّي العبّاس ، وإنما انحصرت هذه المهمّة والقيام بها في عليّ عليه السّلام ، علما بأنّه أصغركم سنّا وأقلّكم مقاما ومنزلة بين القبائل . فالغرض من قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « عليّ منّي وأنا من عليّ » هو بيان وحدتهما ، وأنّهما كالجسد الواحد في سبيل نشر الإسلام .
كي تعرف الأجيال المستقبلة أنّ الحقّ مع عليّ بن أبي طالب في الحرب والسّلم
هامش
( 1 ) - « مشكاة المصابيح » : ص 564 ، و « المرقاة » لملّا عليّ القارئ : ج 5 ص 569 ، و « فيض القدير » : ج 4 ص 357 .