قالوا : وما هن يا أبا شاس ؟ اجعل لنا في الثالثة مخرجا ! ! قال : إما أن تردوا شاسا حيا ، وإما أن تملئوا لي ثوبي هذا من نجوم السماء ، وإما أن تأتوني بغبى كلها ، رجالها ونسائها ، فان شئت قتلت ، وإن شئت صفحت ! !
فقالوا : لا نقدر على واحدة منها ، لا نقدر على إحياء الموتى ، ولا على نجوم السماء ، وأما بنو غنى فإنهم أحرار لا ينقادون لأحد ولا يهدرون نفوسهم في جريرة « 1 » غيرهم ، ولكن يا أبا قيس نعطيك خيرا مما تطلبه ، وندفع إليك قاتل ولدك تحكم فيه بحكمك ، وندفع إليك بعد ذلك عشر ديات حتى نرضيك ؛ فقال زهير : ما كان شاس بحزوّر « 2 » فآكل ثمنه ، ولا قاتله مثله ، فأقتله به ، واستكبر ؛ حتى هاجت « 3 » الحرب بين هوازن وغطفان بسبب ذلك ، وإنما دخلت هوازن مع بنى غنى لأنهم كانوا حلفا ، فقتل زهير في تلك الحرب ، قتله خالد بن كلاب ، وقتل ثعلبة بن الأعرج وغيرهما ، ولهم حديث « 4 » .
هامش
( 1 ) الجريرة : الجناية أو الذنب ، وفي الأصل : جزيرة
( 2 ) الحزور : الغلام إذا راهق ولم يدرك بعد ، وكذلك إذا أدرك وقوى واشتد ، وكذلك الضعيف من الرجال
( 3 ) هاج الشيء : ثار وتحرك وانبعث
( 4 ) ويقول ابن عبد ربه ، صاحب العقد الفريد ، في أيام العرب :
يوم منعج ، ويقال له : يوم الردهة ، وفيه قتل شاس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي بمنعج على الردهة . وذلك أن شاس بن زهير أقبل من عند النعمان بن المنذر ، وكان قد أكرمه وحباه أفضل الحبوة مسكا وكسى وقطيفة وطنافس ، فورد منعجا - وهو ماء لغنى - فأناخ راحلته إلى جانب الردهة وعليها خباء لرياح بن ؟ ؟ ؟ الغنوي
ثم أنشأ شاس يغتسل بين الناقة والبيت وامرأة رياح تنظر إليه ، وهو مثل الثور الأبيض ، فقال رياح لامرأته : أعطيني قوسي ، فمدت إليه قوسه وسهما ، ثم أهوى لشاس بسهم ، وبتر صلبه وحفر له حفرا فهدمه عليه ونحر جمله وأكله وأدخل متاعه بيته
وقد شاس وقص أثره ونشد ، وركبوا إلى الملك وسألوه عن حاله ، فقال لهم :
حبوته وسرحته ، فقالوا : وما متعه به ؟ قال : مسك وكسى ونطوع وقطف
فأقبلوا يقصون أثره فلم تتضح لهم سبيله ، ومكثت عبس كذلك ما شاء اللّه ، حتى رأوا امرأة رياح باعث بعكاظ قطيفة حمراء وبعض ما كان من حباء الملك ، فعلموا أن رياحا صاحب ثارهم ، فغزت بنو عبس غنيا قبل أن يطلبوا قودا أو دية . . . . الخ