فقالت فرقة منهم : العالم محدث ، وله صانع ، وصانعه قديم ، وهو الفضاء ، وهو جسم طويل عريض ، مكان للأشياء ، والأشياء فيه وتحتاج إليه ، لأنهم لا يعقلون إلا ما كان عريضا طويلا ، وإنه أكبر من كل شيء ، ولا يجوز أن يكون شيء أكبر منه ، وبعض الأجسام تغيب عن بعض ، ولا يغيب عنه شيء منها
وقالت فرقة منهم : صانع العالم : فضاء ، ليس بجسم ، والأشياء فيه ، ودليلهم على أنه ليس بجسم : أن جميع الأجسام تحتاج إلى أمكنة ، وهو لا يحتاج إلى مكان ، ويجوز عليها الزوال والتغيير ، ولا يجوز عليه .
وقالت كفار العرب : بحدث العالم ، وأن له محدثا ، وهم صنفان :
فقال صنف منهم ، وهم عبدة الأوثان : صانع العالم قديم ، الا أنه مستغن عن عبادة خلقه ، ولا يقوون على عبادته ، وانما يعبدون الأوثان لتقربهم إليه ، وقد حكى عنهم ذلك بقوله عز وجل :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
« 1 » ) وأثبتوا المعاد ، والثواب ، والعقاب .
وقال صنف منهم : صانع العالم قديم ، متفضل غير معذّب ، وإنه يخلق خلقا ويتفضل عليهم ، ثم يميتهم ، ويخلق خلقا بعدهم على الدوام ، بغير غاية ولا نهاية ، وأنكروا المعاد والبعث ، وقد ذكرهم اللّه تعالى في كتابه بقوله :
زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
[ القائلون بالعدل والتوحيد ]
فأما المسلمون ، فهم ست فرق : المعتزلة ، والمرجئة ، والشيعة ، والخوارج ، والحشوية ، والعامة ، وهم مجمعون على حدث العالم ووحدانيته ، ثم اختلفوا بعد ذلك في معبودهم .
فقالت المعتزلة كلها ، والخوارج ، والمرجئة ، الا أبا حنيفة ، والزيدية من الشيعة ، الا سليمان بن جرير ، فإنه خالف في العلم : إن اللّه تعالى واحد ليس كمثله شيء ،
هامش
( 1 ) الزلفى : القربة والدرجة والمنزلة .