السوداء جرى إلى الطحال ، وما كان من البلّة والرطوبة جرى إلى المثانة .
فتأمل حكمة التدبير في تركيب البدن ، ووضع هذه الأعضاء منه مواضعها ، وإعداد هذه الأوعية فيه لتحمل تلك الفضول ، لئلا تنتشر في البدن فتسقمه وتنهكه ، وتبارك من أحسن التقدير وأحكم التدبير وله الحمد كما هو أهله ومستحقه . . . .
. . . أطل الفكر ، في الصوت والكلام وتهيئة آلاته في الإنسان :
فالحنجرة كالأنبوبة « 1 » لخروج الصوت ، واللسان والشفتان والأسنان لصياغة الحروف والنغم ، ألا ترى من سقطت أسنانه لم يقم السين ، ومن سقطت شفته لم يصحح الفاء ، ومن ثقل لسانه لم يفصح الراء ، وأشبه شيء بذلك المزمار الأعظم :
فالحنجرة يشبه قصبة المزمار ، والرئة يشبه الزقّ الذي ينفخ فيه لتدخل الريح ، والعضلات التي تقبض على الرئة ليخرج الصوت ، كالأصابع التي تقبض على الزق حتى تجري الريح في المزمار ، والشفتان والأسنان التي تصوغ الصوت حروفا ونغما ، كالأصابع التي تختلف في فم المزمار ، فتصوغ صغيره ألحانا ، غير أنه وإن كان مخرج الصوت يشبه المزمار بالدلالة والتعريف ، بالحقيقة هو المشبه بمخرج الصوت ، ثم فيها مآرب أخرى :
فالحنجرة ليسلك فيها هذا النسيم إلى الرئة فتروّح على الفؤاد بالنفس الدائم المتتابع : الذي لو احتبس شيئا يسيرا لهلك الإنسان .
وباللسان تذاق الطعوم . . . وفيه مع ذلك معونة على إساغة الطعام والشراب .
والأسنان تمضغ الطعام حتى تلين ويسهل إساغته ، وهي مع ذلك كالسند للشفتين تمسكهما وتدعهما من داخل الفم ، واعتبر ذلك بأنك ترى من سقطت
هامش
( 1 ) - كالارجوزة ، بين العقدتين من القصب .