في صنعة الخلائق ، والوقوف على ما خلقوا له من لطيف التدبير وصواب التعبير ، بالدلالة القائمة الدالة على صانعها ، أن يكثر حمد اللّه مولاه على ذلك ، ويرغب إليه في الثبات عليه والزيادة منه ، فإنه جل اسمه يقول :
« لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ »
.
أوّل العبر : . . . الآيات الآفاقية :
أوّل العبر والأدلة على الباري جل قدسه : تهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على ما هي عليه .
فإنك إذا تأملت العالم بفكرك وميّزته بعقلك ، وجدته كالبيت المبنيّ ، المعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده .
فالسماء مرفوعة كالسقف ، والأرض ممدودة كالبساط ، والنجوم منضودة ، كالمصابيح ، والجواهر مخزونة كالذخائر ، وكلّ شيء فيها لشأنه معدّ ، والإنسان كالمملّك ذلك البيت ، والمخوّل جميع ما فيه ، وضروب النبات مهيأة لمآربه ، وصنوف الحيوان معروفة في مصالحه ومنافعه .
ففي هذا دلالة واضحة على أن العالم مخلوق بتقدير وحكمة ، ونظام وملائمة وان الخالق له واحد ، وهو الذي ألّفه ونظمه بعضها إلى بعض ، جلّ قدسه وتعالى جدّه وكرم وجهه ولا إله غيره ، تعالى عما يقول الجاحدون ، وجل وعظم عما ينتحله الملحدون .
مم نبتدئ من آيات الكون ؟ . . . نبتدئ بأنفسنا فهي أقربها إلينا :
نبتدئ يا مفضل بذكر خلق الإنسان فاعتبر به :
فأول ذلك ما يدبر به الجنين في الرحم ، وهو محجوب في ظلمات ثلاث :
ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة ، حيث لا حيلة عنده في طلب غذاء ولا دفع اذى ، ولا استجلاب منفعة ولا دفع مضرة .