بالأعيان لرآه ولو لم يرد بصره ، ولا يمنعه من بصره إلا أن يغمض عينيه عنه ؛ ولأجل ذلك أن الإنسان إذا فاجأه شيء مما لا يحل له نظره فنظره مفاجأة فلا إثم عليه في النظرة التي لم يقصدها ولم يتعمدها ، وكذلك الشّمّ والذّوق ، هذا ما لم يكن للإنسان فيه صنع ، فأما ما تعمّده الإنسان وقصده من استعمال الحواس والقلب والجوارح ، فهو عرض اختياريّ من فعل الإنسان .
والذي يدل على أن الحسّ عرض أن الإنسان إذا نام لم تحس حواسّه « 1 » شيئا ، وأيضا فإن الحسّ لا يقوم بنفسه ، فصحّ أنه عرض لبطلانه ولكونه قائما في سواه .
والاختياري أيضا على أفنان : فمنه فعل القلب الاختياري الذي هو العقل المكتسب مثل النظر ، والتّمييز ، والاستنباط ، والنيّة ، والاعتقاد ، وأشباه ذلك ، فهذه أعراض من فعل العبد .
ومما يزيد ما قلناه « 2 » قول اللّه تعالى :
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
[ الفرقان : 44 ] ، وقال عزّ من قائل - حاكيا قول أهل النار :
وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ
[ الملك : 10 ] ، فلم ينف عنهم القلوب ، ولا العقل الغريزي ؛ لأنه لو نفى عنهم العقل الغريزي لم يكن عليهم حجّة ، فصح أنه نفى عنهم العقل المكتسب ، وذكر أن تركهم للنظر ذنب
هامش
( 1 ) في ( ب ، ج ، س ) : جوارحه .
( 2 ) في ( ب ، س ، م ) : ومما يؤيد ما قلنا .