تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حقائق المعرفة في علم الكلام — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
فمن كان فيه بعض هذه الصفات لم يؤمن منه فعل القبيح ، أو الرّضى به ، أو الأمر به « 1 » ، مع أن فاعله وإن كان بهذه الصفات مذموما بفعله للقبيح ، أو أمره به ، أو رضاه به . وكلّ مكلّف من موحّد أو ملحد يستحسن فعل الحسن ويحبّ أن يذكر به ، ويستقبح القبيح « 2 » ويكره أن يذكر به . ألا ترى أن الملحد لو رأى صبيا يريد أن يتردّى في بئر أو في نار ، أو يمدّ يده ليلزم حيّة ، أنه يمنعه من ذلك ، ويستحسن منعه ، ويستقبح تركه وإن لم يكن برحم ؟ فإذا كان فعل القبيح يقبح بالعبد الجاهل المحتاج الضعيف ، فكيف لا يقبح من العالم الحكيم القادر ؟ فوجب أن يكون القديم تعالى منزّها متعاليا عن فعل القبيح . لأنه تعالى عالم بقبح القبيح ، ولأنه غير محتاج إليه ، لا لجرّ نفع إليه ، ولا لدفع ضرر عنه ، ولا لسخف رأي ، ولا لطمع فيما ليس له ، ولا لمشورة مضلّ أو جاهل . فلما كان منزّها عن فعل القبيح « 3 » ، وكان الظلم والجور والكذب وخلف الوعد والوعيد ، وفعل الفواحش وجميع المنكرات قبيحا ، والرّضى بذلك والأمر به ، صحّ أن اللّه تعالى لا يفعل شيئا من ذلك ولا يرضى به ولا يأمر به ، ولو فعل ذلك لدخل عليه من النقص والذم أكثر مما يدخل على العبد ؛ لأنه عالم لذاته ، قادر لذاته ، والعبد جاهل محتاج ، فكان ذمّ العبد أقلّ لجهله وحاجته . ألا ترى أن العالم الغنيّ من النّاس إذا فعل قبيحا ؛ كان ذمّه عند الناس ولومه أكثر من ذمّ الجاهل الفقير إذا فعل
هامش
( 1 ) في ( ص ) : والرضى والأمر به . ( 2 ) في ( ع ) : ويستقبح فعل القبيح . ( 3 ) في ( ث ) : من فعل القبيح .
حقائق المعرفة في علم الكلام — صفحة 200 | أحمد بن سليمان