تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حقائق المعرفة في علم الكلام — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
مثل فعل العالم ؟ فصحّ أن اللّه تعالى لا يفعل ظلما ولا جورا ، ولا يجبر الخلق على فعل ، ولا يكلّف أحدا فوق طاقته ، ولا يفعل قبيحا ، ولا يريده ، ولا يحبه ، ولا يرضاه ، ولا يأمر به ، ولا يكذب ، ولا يخلف وعدا ولا وعيدا ؛ قال عز من قائل :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
[ النحل : 90 ] ، فصحّ أن اللّه عادل ، وأنه منزّه عن القبائح . فإن اعترض علينا معترض في هذه الجملة فقال : إنه قد يوجد في خلق اللّه القبيح والناقص ، كالسّباع والهوامّ والقمل والدّود والذّباب والبقّ ، وما لا صلاح ظاهرا في خلقه ، وكالصورة القبيحة من الناس ، وكمن يولد أعمى ، أو أصمّ ، أو مقعدا ، أو ناقصا في جوارحه ، كأن يولد بغير يدين أو شبه ذلك . قلنا : لا يلزمنا هذا الاعتراض ؛ لأن فعل جميع هذه الأشياء حسن وليس بقبيح - وإن قبح عند الجهّال . فأما من أنصف عقله « 1 » ، وفكّر في حكمة اللّه ، ونظر في دقائق التدبير فإن عقله يحكم بأن فعل هذه الأشياء التي يستقبح فعلها الجهّال حسن وصواب في الحكمة والتدبير « 2 » ، إما في الحال أو في المآل ، وإما لها وإما لغيرها . فإنك إذا نظرت وفكّرت في خلق السّباع والحيّات والعقارب ؛ وجدت في خلقها وكونها مصالح للعبد ؛ منها أنها تذكّر بمصائب الآخرة وهوامّها ، ولعل عبدا موقنا « 3 » إذا رآها ذكّرته العقاب ويوم الحساب فازدجر واتّعظ .
هامش
( 1 ) في ( ع ) : فمن أنصف عقله . ( 2 ) في ( ض ) : من الحكمة والتدبير . ( 3 ) في ( ث ) : ولعل عبدا موفّقا موقنا .