النشأة الأخرى لما بطلت الأغراض الدنيوية وخلصت محبتهم للّه سبحانه ، فهم يبرءون من أعداء اللّه ولا يحبون إلا من أحبه اللّه ، فهم يلتذون بعذاب أعدائه ولو كانوا آباءهم وأبناءهم أو عشيرتهم ، كما أن أولياء اللّه في الدنيا أيضا قطعوا محبتهم عنهم وكانوا يحاربونهم ويقتلونهم بأيديهم ويلتذون بذلك كما قال اللّه تعالى :
لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
« 1 » الآية وإليه يشير قوله تعالى :
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ
الآية . فيمكن أن يكون الأصل في الجواب هذا الوجه ، لكن لضعف عقل السائل أعرض عليه السّلام عن هذا الوجه وذكر الوجهين الآخرين الموافقين لعقله وفهمه نقلا عن غيره واللّه يعلم .
وروى القمي في تفسيره عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم قال : لما دخلت الجنة رأيت فيها شجرة طوبى أصلها في دار علي عليه السّلام ، وما في الجنة قصر ولا منزل إلا وفيها فتر منها ، وأعلاها أسفاط الحلل من سندس وإستبرق ، ويكون للعبد المؤمن ألف ألف سفط في كل سفط مائة حلة ، ما فيها حلة تشبه الأخرى على ألوان مختلفة ، وهي ثياب أهل الجنة ، وسطها ظل ممدود ، عرض الجنة كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا باللّه ورسوله ، يسير الراكب في ذلك الظل مسيرة مائة عام فلا يقطعه ، وذلك قوله تعالى :
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ
.
وأسفلها ثمار أهل الجنة وطعامه متذلل في بيوتهم ، يكون في القضيب منها مائة لون من الفاكهة مما رأيتم في دار الدنيا وما لم تروه وما سمعتم وما لم تسمعوا مثلها ، وكلما يجتني منها شيء نبتت مكانها أخرى ، ولا مقطوعة ولا ممنوعة . ويجري نهر في أصل تلك الشجرة تنفجر منها الأنهار الأربعة ، أنهار من ماء غير آسن ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ، وأنهار من خمر لذة للشاربين ، وأنهار من عسل مصفى ، الخبر .
وقد ورد في روايات كثيرة منها في تفسير العياشي عن الصادق عن آبائه عليهم السّلام أنه قد شهد ملاك فاطمة الزهراء جبرائيل وميكائيل وإسرافيل في ألوف من الملائكة ، وأمر اللّه طوبى فنثرت عليهم من حللها وسندسها واستبرقها ودرها وزمردها وياقوتها وعطرها فأخذوا منه حتى ما دروا ما يصنعون به ، ولقد نحل اللّه طوبى في مهر فاطمة فهي في دار علي بن أبي طالب عليه السّلام .
وروى العياشي عن أبي ولاد قال : قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام جعلت فداك إن رجلا من أصحابنا ورعا مسلما كثير الصلاة قد ابتلي بحب اللهو وهو يسمع الغناء . فقال أيمنعه
هامش
( 1 ) سورة المجادلة ؛ الآية : 22 .