تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١
الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً ، وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا ، وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا ، قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً ، وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا ، عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا ، وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً ، وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً ، عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ، إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً
« 1 » . والآيات في ذلك كثيرة وبالجملة فينبغي أن يعلم أن الجنة دار البقاء ودار السلامة لا موت فيها بإجماع الأمة ، وأما قوله تعالى في الصافات :
أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى
« 2 » . فإن لم يكن كلام أهل النار فالاستثناء منقطع والمراد موتة الدنيا ، وكذا قوله تعالى :
لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى
« 3 » . وكذا لا هرم في الجنة ولا سقم ولا مرض ولا آفة ولا زمانة ولا هم ولا غم ولا حاجة ولا فقر ، بل هي دار البقاء ودار الغنى ودار السعادة ودار المقامة ودار الكرامة ، لا يمس أهلها فيها نصب ولا لغوب ، لهم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون . وهي دار الطيبين الطاهرين ليس بين أهلها بغض ولا حسد ولا عداوة ولا نزاع ولا جدال ، وكل منهم راض بما أعطاه اللّه تعالى لا يتمنى مرتبة غيره . وقيل إن أهل المراتب العالية يأتون إلى ذوي المراتب الدنية ولا عكس ، لئلا يتنغص عليهم عيشهم . والتعليل لأن اللّه تعالى قادر أن يرضيهم بمراتبهم . وقد رأينا بعض ذوي المراتب الدنية في الدنيا لا يتمنون حال ذوي المراتب العلية ، بل هم راضون بصنائعهم وحرفهم ومسرورون بها ، ولكن قد روي ذلك من دون تعليل وينبغي أن يعلم أيضا أن أهل الجنة ولا يبولون ولا يغوطون وليس فيهم كثافات ، بل تستحيل أغذيتهم وشرابهم عرقا طيبا ، وأزواجهم من النساء والحور ليس فيهن حيض ولا استحاضة ولا نفاس ولا بول ولا غائط ، وليس بينهم تحاسد وبغضاء وعداوة وشحناء ، كما قال تعالى :
وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ
. وليس في الجنة ليل ولا ظلمة ، وليس ضياؤها من الشمس والقمر والنجوم ، بل ظلها ممدود وما بين الطلوعين مثل لها ، وليس في خمرها وشرابها سكر وصداع وبول وقيء ومرارة وتهوع كما في شراب الدنيا ، وستأتي سائر الأوصاف في الأخبار فليتفكر العاقل في لطف ربه الكريم ومنّه الجسيم وإحسانه العميم ، كيف دعا عباده
هامش
( 1 ) سورة الإنسان ؛ الآيات : 12 - 22 . ( 2 ) سورة الصافات ؛ الآية : 58 . ( 3 ) سورة الدخان ؛ الآية : 56 .
حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 471 | السيد عبد الله شبر