وسئل أنس بن مالك عن الجنة في الأرض أم في السماء ، فقال أي أرض وسماء تسع الجنة . قيل فأين هي . قال : فوق السماوات السبع تحت العرش . انتهى .
أقول : الأولى والأليق الإيمان الإجمالي بذلك ، ولا حاجة في الخوض عما سكت اللّه عنه ونهى عن الخوض فيه والتفحص عن مكان الجنة والنار ، وإن الجنة إذا كانت في السماء السابعة فكيف ينصب الصراط على جهنم وينتهي إلى الجنة ، والتفكر في كيفية سعة الجنة والتعرض لهذه الاحتمالات والاعتبارات بالظن والتخمين من دون علم ويقين ، فإن الظن لا يغني من الحق شيئا . نعم يمكن أن يقال على سبيل الاحتمال لرفع الاستبعاد والمحال مع عدم الاعتماد على أصول الحكماء والفلاسفة الغير الأصلية ، فإن القرآن والسنة قد نطقا بأن الكواكب تنتثر والسماوات تطوى كطي السجل والعرش ينزل ، فلعل الجنان تنزل من مكانها أيضا ، ويكون العرش سقفها . ولعل قوله تعالى :
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ
« 1 » . إشارة إلى ذلك ، وقوله تعالى :
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ
إشارة إلى بروز النيران عن أمكنتها بحيث ترى ، وان الأرض والبحار تستحيل نيرانا كما ذكره القمي وتضاف إليها ، فينصب الصراط هناك بعد حشر الناس . على أنه قد ورد من الشارع أن الأرض تبدل غير الأرض ، وأن السماوات تطوى كطي السجل للكتب ، وأن الأمكنة والأزمنة تتغير . فلعل اللّه تعالى يحول مكانهما بعد ذلك .
قال العلامة المجلسي رحمه اللّه : الذي يظهر لي من الآيات والأخبار هو أن اللّه تعالى بعد خرق السماوات وطيّها ينزل الجنة والعرش قريبا من الأرض ، فيكون سقف الجنة العرش . ولا يبعد أن يكون هذا هو المراد بقوله تعالى :
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ
« 2 » .
وتتحول البحار نيرانا فيوضع الصراط من الأرض إلى الجنة ، والأعراف درجات ومنازل بين الجنة والنار ، وبهذا يندفع كثير من الأوهام والاستبعادات التي تخطر في أذهان أقوام في كثير مما ورد في أحوال الجنة والنار والصراط ، ومرور الخلق عليه ودخولهم الجنة بعده ، واحضار العرش يوم القيامة وأمثالها . وبه يقل أيضا الاستبعاد الذي مر في كلام السائل . انتهى . وبالجملة فينبغي أن يوكل علم ذلك إلى اللّه سبحانه وتعالى ، ولا يلتفت إلى هذه الاستبعادات واللّه العالم بحقائق الأمور .
هامش
( 1 ) سورة ق ؛ الآية : 31 .
( 2 ) سورة ق ؛ الآية : 31 .