تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
الثانية : المشّاءون وهم الأكثرون ، فجعلوا الجنة والنار والثواب والعقاب من قبيل اللذات والآلام العقلية ، وذلك ان النفوس البشرية سواء جعلت أزلية كما هو رأي أفلاطون ، أو لا كما هو رأي أرسطو ، فهي أبدية عندهم لا تفنى بخراب البدن بل تبقى ملتذة بكمالاتها مبتهجة بإدراكاتها ، وذلك سعادتها وثوابها وجنانها على اختلاف المراتب وبتفاوت الأحوال ، ومتألمة بفقد الكمالات وفساد الاعتقادات وذلك شقاوتها وعقابها ونيرانها على ما لها من اختلاف التفاصيل ، وإنما لم تتنبه لذلك في هذا العالم لاستغراقها في تدبير البدن وانغماسها في كدورات عالم الطبيعة ، وبالجملة لما بها من العلائق والعوائق الزائلة بمفارقة البدن . فما ورد في لسان الشرع من تفاصيل الثواب والعقاب وما يتعلق بذلك من السمعيات فهي مجازات وعبارات عن تفاصيل أحوالها في السعادة والشقاوة ، واختلاف أحوالها في اللذات والآلام ، والتدرج مما لها من دركات الشقاوة إلى درجات السعادة . فإن الشقاوة السرمدية إنما هي بالجهل المركب الراسخ والشرارة المضادة للملكة الفاضلة ، لا الجهل البسيط والأخلاق الخالية عن غايتي الفضل والشرارة ، فإن شقاوتها منقطعة بل ربما لا تقتضي الشقاوة أصلا . هذا ملخص كلامهم . قال العلامة المجلسي رحمه اللّه ونعم ما قال : لا يخفى على من راجع كلامهم وتتبع أصولهم ان جلها لا يطابق ما ورد في شرائع الأنبياء ، وإنما يمضغون ببعض أصول الشرائع وضروريات الملل على ألسنتهم في كل زمان حذرا من القتل والتكفير من مؤمني أهل زمانهم ، فهم يؤمنون بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم كافرون . ولعمري ان من قال بأن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد ، وكل حادث مسبوق بمادة ، وما ثبت قدمه امتنع عدمه ، وبأن العقول والأفلاك وهيولا العناصر قديمة ، وإن الأنواع المتوالدة كلها قديمة ، وإنه لا يجوز إعادة المعدوم ، وإن الأفلاك متطابقة ولا تكون العنصريات فوق الأفلاك وأمثال ذلك ، كيف يؤمن بما أتت به الشرائع ونطقت به الآيات وتواترت به الروايات من اختيار الواجب ، وانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وحدوث العالم ، وحدوث آدم ، والحشر الجسماني ، وكون الجنة في السماء مشتملة على الحور والقصور والأبنية والمساكن والأشجار والأنهار ، وأن السماوات تنشق وتطوى ، والكواكب تنتثر وتتساقط بل تفنى ، وان الملائكة أجسام ملئت منهم السماوات ينزلون ويعرجون ، وان النبي قد عرج إلى السماء ، وكذا عيسى عليه السّلام وإدريس عليه السّلام ، وكذا كثير من معجزات الأنبياء والأوصياء ، من شق القمر وإحياء الأموات وردّ الشمس وطلوعها من مغربها ، وكسوف الشمس في غير زمانه ، وخسوف القمر في غير أوانه وأمثال ذلك . ومن أنصف ورجع إلى كلامهم علم أنهم