الفصل الثامن الجنة والنار
1 - حقية الجنة والنار :
يجب الإيمان بالجنة والنار الجسمانيتين على نحو ما تكاثرت به الآيات المتضافرة والأخبار المتواترة ، وذلك من ضروريات الدين لم يخالف فيه أحد من المسلمين ، ومن أنكر وجودهما مطلقا كالملاحدة ، أو أولهما بما يأتي كالفلاسفة فلا ريب في كفره ، والفلاسفة في هذا الباب على فرقتين :
الأولى : الاشراقيون القائلون بعالم المثال والظاهر ، إنهم يقولون إن الجنة والنار وسائر ما ورد به الشرع من التفاصيل ليست من قبيل الأجسام والجسمانيات ولا من عالم المجردات ، بل هو عالم آخر متوسط بينهما كالعالم الرؤيا في المنام ، والصورة في المرآة ، والثواب والعقاب كالرؤيا الحسنة والرؤيا القبيحة ، وهذا مع استلزامه وإنكار الحشر والنشر الجسمانيين تلاعب بالدين ومخالف لصريح القرآن المبين ، ورد لقول الأنبياء والمرسلين ، لا يقال إن أكثر المسلمين قد قالوا بالعالم المثالي في عالم البرزخ كما تقدم ، لأنّا نقول بين القولين فرق من وجهين :
الأول : ان قول أكثر المسلمين لا يستلزم إنكار المعاد الجسماني ، ولا رد الآيات المتكاثرة والأخبار المتواترة بخلاف هؤلاء .
الثاني : ان عالم المثال الذي قال به المسلمون غير هذا المثال الذي قال به الفلاسفة ، فإن المسلمين قالوا إن تلك الأبدان المثالية في العالم البرزخي أجسام لطيفة شفافة كأجسام الملائكة والجن لها وجود خارجي وتتعلق الروح بذلك الجسم ، ولم يؤوّلوا ذلك بعالم المنام والرؤيا كما فعل هؤلاء الفرقة .