على الأرض أربعين يوما ، حتى يكون الماء فوق كل شيء ذراعا ، فتنبت به أجساد الخلائق كما ينبت البقل ، فتتدانى اجزاؤهم التي صارت ترابا الحديث .
وما روي في الاحتجاج في حديث الزنديق أنه قال للصادق عليه السّلام أنى للروح بالبعث والبدن قد بلي ، والأعضاء قد تفرقت ، فعضو في بلدة تأكله سباعها ، وعضو بأخرى تمزقه هوامها ، وعضو قد صار ترابا بني به مع الطين حائط . فقال عليه السّلام : إن الذي أنشأه من غير شيء ، وصوره على غير مثال كان سبق إليه ، قادر أن يعيده كما بدأ قال أوضح لي ذلك . قال إن الروح مقيمة في مكانها ، روح المحسنين في ضياء وفسحة ، وروح المسئ في ضيق وظلمة . والبدن يصير ترابا منه خلق ، وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها مما أكلته ومزقته كل ذلك في التراب محفوظ ، عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض ويعلم عدد الأشياء ووزنها ، وإن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب ، فإذا كان حين البعث مطرت الأرض فتربو الأرض ، ثم تمخض مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء ، والزبد من اللبن إذا مخض ، فيجتمع تراب كل قالب فينتقل بإذن اللّه تعالى إلى حيث الروح ، فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها وتلج الروح فيها ، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا إلى غير ذلك من الأخبار .
وأجيب بأن هذه الظواهر لا تنفي الانعدام وإن لم تدل عليه ، وإنما سيقت لكيفية الإحياء بعد الموت والجمع بعد التفريق ، على أنها معارضة بما دل على الإعدام والإفناء ، وكما يمكن الجمع بحمل الاعدام والافناء على التفرق ، كذا يمكن الجمع بأن اللّه تعالى يفني العالم بأسره ويعدمه ، كما دلت عليه الآيات والأخبار السابقة ، ثم يوجد الأرض والسماء ثم يحيي الأموات ويعيد الأشياء بجميع الأجزاء المتفرقة . وبالجملة فلا يمكن الجزم بأحد الجانبين واللّه العالم بالحال .
4 - بيان سائر ما يقع قبل القيامة :
يجب الإيمان بجميع ما اخبر اللّه تعالى بوقوعه في القرآن الكريم من مقدمات الحشر ، ولا يلتفت إلى تأويل الفلاسفة والملاحدة وشبهاتهم ، قال اللّه تعالى :
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ
« 1 » . وقال تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء ؛ الآية : 104 .