قوموا عني لا ينبغي عند نبي تنازع . وفي رواية عن عمر أنه قال كان يريد أن يصرح باسمه فحلت بينه وبين ما أراد . رواه ابن أبي الحديد « 1 » . ثم لما مضى أعرضوا عن تجهيزه والفجيعة به ، واشتغلوا بتهيئة أسباب الإمارة لأنفسهم « 2 » ، وتهيج ذوي الأحقاد على سيد العباد الذين كانوا إنما أسلموا خوفا من سيفه وقتاله بعد أن قتل آباءهم وأبناءهم في مواقف نزاله ، فحملوا عمود الخلافة ونبذوا العقود بعد تلك الحصافة ، وادعوا التأمر على عباد اللّه وتسموا زورا وبهتانا بخلفاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بغير قدم راسخ في علم ، ولا سبق في فضيلة ، ثم تنازعوا واختلفوا وتخالفوا وارتفعت أصواتهم ، وقال بعضهم لبعض منا أمير ومنكم أمير ، وأرعدوا وأبرقوا وسلوا سيوفهم ، ثم بعد ذلك كله سموه اجماعا .
وكان أمير المؤمنين عليه السّلام مشغولا بتجهيز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فما فرغ إلا من بعد ما أحكموا الأمر لأنفسهم ، ثم أظهروا من نفوسهم ما كان كامنا فيها من عداوة ذوي القربى الذين كانت مودّتهم أجر الرسالة ، فلم يستطيعوا أن يخفوا العداوة في صدورهم ، فكانت تبدو منهم في أحيان ورودهم وصدورهم ، فأولى لهم ثم أولى لهم على أن الخليفة في الحقيقة ما كان في زمن خلافة الأعداء إلا من كانت الخلافة حقه ، لترتب أكثر فوائدها على وجوده عليه السّلام ، حتى إن الثلاثة كانوا يرجعون إليه في أكثر المسائل الدينية التي كانوا يسألون عنها ، بل وفي كيفية تسخير البلاد وساسة العباد ، وسائر كليات الأمور لجهلهم بها وعجزهم عنها ، فالمقصود الأصلي من الخلافة ما فات كما قال تعالى :
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
« 3 » . ولا ريب أنه لم يكن نص وحجة على خلافة الأول ، كما اعترف به الجمهور وإن تتعتع بخلافه من أتى بالزور ، وغاية ما استدلوا به اجماع الصحابة على بيعته ، وهو مع عدم حجيته غير متحقق ، لأن كثيرا منهم وجملة من جلتهم وأساطينهم لم يكونوا داخلين في إجماع الزور ، ولا في حلقة بيعة دار الغرور ، كصاحب الحق وأهله وأولاده ، وكعمه العباس وأبنائه ، وأسامة بن زيد والزبير ، ومشاهير الصحابة الكبار كسلمان رحمه اللّه ، وأبي ذر رحمه اللّه ، والمقداد رحمه اللّه ،
هامش
( 1 ) انظر شرح النهج الحديدي ج 3 ص 114 .
( 2 ) انظر كنز العمال ج 3 ص 140 ، وانظر الرياض النضرة للمحب الطبري ج 1 ص 164 ولفظه بعد الكلام على السقيفة هكذا فلما فرغ أبو بكر من البيعة رجع إلى المسجد فقعد على المنبر فبايعه الناس حتى أمسوا وشغلوا عن دفن رسول اللّه ( ص ) حتى كان آخر الليل من ليلة الثلاثاء وانظر اعتذاره البارد المستهجن عن هذا الفعل الشنيع في ص 165 .
( 3 ) سورة التوبة ؛ الآية : 32 .