وكان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أشد الناس تواضعا وأسكنهم في غير كبر ، وابلغهم من غير تطويل ، وأحسنهم بشرا لا يهوله شيء من أمر الدنيا ويلبس ما وجد من المباح ، وخاتمه فضة يلبسه في خنصره الأيمن وربما يلبس في الأيسر يردف خلفه عبده أو غيره ، يركب ما أمكنه مرة فرسا ومرة بغلة شهباء ومرة حمارا ومرة يمشي راجلا حافيا بلا رداء ولا عمامة ولا قلنسوة ، يحب الطيب ويكره الرائحة الردية ويجالس الفقراء ويؤاكل المساكين ويكرم أهل الفضل في أخلاقهم ويتألف أهل الشرف بالبر لهم ، يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم لا يجفو على أحد يقبل معذرة المعتذر إليه ، يمزح ولا يقول إلا حقا ويضحك من غير قهقهة ، يرى اللعب المباح فلا ينكره وترفع الأصوات عليه فيصبر ، وكان له لقاح وغنم يتقوت هو وأهله من ألبانها ، وكان له عبيد وإماء لا يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس ، ولا يمضي له وقت في غير عمل اللّه أو في ما لا بد له من صلاح نفسه ، يخرج إلى بساتين أصحابه لا يحقر مسكينا لفقره وزمانته ولا يهاب ملكا لملكه ، يدعو هذا وهذا إلى اللّه دعاء واحدا ، قد جمع اللّه له السيرة الفاضلة والسياسة التامة وقد نشأ في بلاد الجهل والصحاري في فقر وفي رعاية الغنم ، يتيما لا أب له ولا أم وكان من خلقه أن يبدأ من لقيه بالسلام ، ومن قام معه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف ، وما أخذ أحد بيده فيرسلها حتى يكون يرسلها الآخذ ، وكان إذا لقي أحدا من أصحابه بدأ بالمصافحة ثم أخذ بيده فشابكها ثم شد قبضته عليها ، وكان لا يقوم ولا يقعد إلا على ذكر اللّه ، وكان لا يجلس إليه أحد وهو يصلي إلّا خفف صلاته وأقبل عليه فقال ألك حاجة فإذا فرغ من حاجته عاد إلى صلاته ، وكان أكثر جلوسه أن ينصب ساقيه جميعا ويمسك بيديه عليهما شبه الحبوة ولم يعرف مجلسه من مجالس أصحابه لأنه كان حيث ما انتهى به المجلس جلس ، وما رؤي قط مادا رجليه بين أصحابه حتى يضيق بهما على أصحابه إلا أن يكون المكان واسعا لا ضيق فيه ، وكان أكثر ما يجلس مستقبل القبلة وكان يكرم من يدخل عليه حتى ربما بسط ثوبه لمن ليست بينه وبينه قرابة ، وكان يؤثر الداخل عليه بالوساد التي تكون تحته فإن أبى أن يقبلها عزم عليه حتى يفعل ، وما استصغاه أحد إلا ظن أنه أكرم الناس عليه حتى يعطي كل من جلس إليه نصيبه من وجهه ، حتى كان مجلسه وسمعه وحديثه ولطف مجلسه وتوجهه للجالس إليه ، ومجلسه مع ذلك مجلس حياء وتواضع وأمانة ، قال اللّه تعالى :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ؛ الآية : 159 .