ولقد كان يدعو أصحابه بكناهم إكراما واستمالة لقلوبهم ، ويكني من لم تكن له كنية فكان يدعى بما كناه به ، وكان يكني أيضا النساء اللات لهن أولاد واللات لم يلدن يبتدئ لهن الكنى ويكني الصبيان فيستلين به قلوبهم ، وكان أبعد الناس غضبا وأسرعهم رضاء وكان أرق الناس بالناس وخير الناس للناس وأنفع الناس للناس ، ولم يكن ترفع في مجلسه الأصوات وكان إذا قام من مجلسه قال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ويقول علمنيهن جبرائيل ، وكان أفصح الناس منطقا وأحلاهم كلاما نزر الكلام سمح المقالة إذا نطق ليس بهذار وكان كلامه كخرزات النظم ، وكان أوجز الناس كلاما وبذلك جاءه جبرائيل وكان مع الإيجاز يجمع كلما أراد وكان يتكلم بجوامع الكلم لا فضول ولا تقصير كلام يتبع بعضه بعضا بين كلامه توقف يحفظه سامعه ويعيه ، وكان جهير الصوت أحسن الناس نغمة ، وكان طويل السكوت لا يتكلم في غير حاجة ولا يقول في المنكر ولا يقول في الرضا والغضب إلا الحق ويعرض عمن تكلم بغير جميل ويكني عما اضطره الكلام إليه مما يكره ، وكان إذا سكت تكلم جلساؤه ولا يتنازع عنده في الحديث ويعظ بالجد والنصيحة ، وكان أكثر الناس تبسما وضحكا في وجوه أصحابه وتعجبا مما حدثوا به وخلطا لنفسه بهم ولربما يضحك حتى تبدو نواجذه ، وكان لا يدعوه أحد من أصحابه إلا قال لبيك ، وكانوا لا يقومون له لما عرفوا من كراهته لذلك ، وكان يمر بالصبيان فيسلم عليهم وأوتي برجل فأرعد من هيبته فقال هون عليك فلست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد ، وكان يجلس بين أصحابه مختلطا بهم كأنه أحدهم فيأتي الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل عنه حتى طلبوا إليه أن يجلس مجلسا يعرفه الغريب ، فبنوا له دكانا من طين فكان يجلس عليه وكان يقول إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد ، وكان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أخشى الناس لربه وأتقاهم له وأعلمهم به وأقواهم في طاعته وأصبرهم على عبادته وأكثرهم حبا لمولاه وأزهدهم فيما سواه ، وكان يقوم في صلاته حتى تنشق بطون أقدامه من طول قنوته وقيامه ، ويسمع على الأرض لو كف دموعه صوت كصوت المطر من كثرة خضوعه ، وكانت أوقاته لا تخلو من الصيام وربما يواصل الليالي بالأيام ، وصام حتى قيل إنه ما يفطر ثم إنه أفطر حتى قيل ما يصوم ، ثم إنه كان يصوم الثلاثة الأيام في الشهر وعليه قيض ، وكان إذا قام إلى الصلاة يسمع من صدره أزيز كأزيز المرجل ، أي صوت كصوت القدر حين غليانه .
وعن أمير المؤمنين عليه السّلام أنه كان إذا وصف النبي قال : كان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أجود الناس وأجزأ الناس صدرا وأصدقهم لهجة وأوفاهم ذمة وألينهم عريكة وأكرمهم عشيرة ، من رآه
حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 166
مساهمون: السيد عبد الله شبر
ص١٦٦