تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
وإلباس أخرى ، فيحيل الهواء إلى الغيم بإذن اللّه ، ويحدث الأمطار والزلازل لأجل استهلاك أمة فجرت وعتت عن أمر ربها ورسله ، وان يسمع دعاءه في الملك والملكوت لعزيمة قوته ، فيستشفي المرضى ويستسقي العطشى وتخضع له الحيوانات . ومن صفات النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يكون جالسا في الحد المشترك بين عالم المعقول وعالم المحسوس ، فهو تارة مع الحق بالحب له وتارة مع الخلق بالرحمة عليهم والشفقة لهم ، فإذا عاد إلى الخلق كان كواحد منهم كأنه لا يعرف اللّه وملكوته ، وإذا خلا بربه كان مشتغلا بذكره وخدمته فكأنه لا يعرف الخلق ، يأخذ من اللّه ويتعلم من لدنه ويعطي لعباده ويعلمهم ويهدي لهم ، فيسأل ويجاب ويسأل ويجيب ناظما للطرفين واسطة بين العالمين سمعا من جانب ولسانا إلى جانب ، فلقلبه بابان مفتوحان : أحدهما : وهو الباب الداخلاني إلى مطالعة اللوح والذكر الحكيم فيعلمه علما يقينيا لدنيّا من عجائب ما كان أو سيكون ، وأحوال العالم ما مضى وما سيقع ، وأحوال القيامة والحشر والحساب ومثال الخلق إلى الجنة أو النار ، وإنما ينفتح هذا الباب لمن توجه إلى عالم الغيب وأفرد ذكر اللّه على الدوام . الثاني : إلى مطالعة ما في الحواس ليطلع على سوانح مهمات الخلق ويهديهم إلى الخير ويردعهم عن الشر ، فيكون قد استكملت ذاته في كلتا القوتين ، آخذا بحظ وافر من نصيب الوجود والكمال من اللّه سبحانه بحيث يسع الجانبين ويوفي حق الطرفين ، وهذا أكمل المراتب الإنسانية . ومن لوازم الخصائص المذكورة اثنتا عشرة صفة مفطورة له وهي : أن يكون جيد الفهم لكل ما يسمعه ويقال له على ما يقصده القائل وعلى ما هو الأمر عليه ، وكيف لا وهو في غاية إشراق العقل ونورية النفس . وأن يكون حفوظا لما يفهمه ويحسه لا ينساه ، وكيف لا ونفسه متصلة باللوح المحفوظ . وأن يكون صحيح الفطرة والطبيعة معتدل المزاج تام الخلقة قوي الآلات على الأعمال التي من شأنه أن يفعلها كالمناظرة في العلوم مع أهل الجدال ، والمباشرة في الحروب مع الأبطال لإعلاء كلمة اللّه تعالى وهدم كلمة الكفر وطرد أولياء الطاغوت ليكون الدين كله للّه ولو كره المشركون ، كيف لا والكمال الأولي إنما يفيض على المزاج الأتم .