2 - أشرف معجزات الأنبياء وأفضلها :
قال بعض العلماء العارفين ما ملخصه : إن أشرف معجزات الأنبياء وأفضلها العلم والحكمة ، وهما للخواص ، وخوارق العادات للعوام والبله ، وأما أهل التعصب والعناد منهم فلا ينفعهم إلا السيف ، وإلى الثلاثة أشار اللّه سبحانه بقوله :
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ
« 1 » . فأسرار الكتاب والميزان وهو البرهان العقلي بأقسامه للخواص الذين لهم قريحة نافذة وفطنة قوية ، وقد خلا باطنهم عن تقليد وتعصب لمذهب موروث ومسموع فإنهم يؤمنون بالنبي بميزان العلم والمعرفة والحكمة على قرب ولا يحتاجون إلى خوارق العادات ، وأما الذين ليس لهم فطنة لفهم الحقائق ، أو كان لهم ذلك ولكن ليست لهم داعية الطلب بل شغلتهم الصناعات والحرف وليس فيهم أيضا داعية إلى الجدل وتحذلق المتكالبين في الخوض في العلم مع قصور فهمهم عنه فإنهم يعالجون بالموعظة وإظهار المعجزات ثم يحالون على ظواهر الكتاب ليس لهم التجاوز عنها إلى أسراره . والحديد لأهل الجدل والشغب الذين يتبعون ما تشابه من الكتاب مع عدم أهليتهم له ابتغاء الفتنة ، فإنه يتلطف بهم أولا ويجادل معهم بالتي هي أحسن بأخذ الأصول المسلمة عندهم واستنساخ الحق منها بالميزان بالقسط ، فإن لم ينفعهم فالحديد الذي فيه بأس شديد ، وإلى الثلاثة أيضا الإشارة بقوله عز وجل :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
« 2 » .
وقد عامل نبينا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الناس بما أمر به وبما يليق بحالهم ، فقوم أخذهم بالرفق واللين لصفاء قلوبهم ورقة أفئدتهم فانقادوا له عاجلا ودخلوا في شرعه سريعا . والفريق الآخر أخذهم بالسنان والحسام والشدة والقتال حتى أدخلهم في دينه قهرا وقادهم إليه قسرا ، ثم تألفهم بإحسانه واستمالهم بمواعظ لسانه حتى طابت له نفوسهم وانشرحت صدورهم وذلك معنى قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : عجبا من قوم يدخلون الجنة في السلاسل . أي يدخلون في الإسلام الذي هو سبب دخولهم الجنة فجزاه اللّه عنا وعنهم خير الجزاء بما بلغ عن ربه وصدع بأمره .
هامش
( 1 ) سورة الحديد ؛ الآية : 25 .
( 2 ) سورة النحل ؛ الآية : 125 .