الأسباب ما لا يولّد إلّا مع ارتفاع الموانع ، وليس كذلك المجاورة ، لاستحالة ثبوت المجاورة إلّا مع وجود التأليف ، لأنّ ما يمنع من حصول التأليف يمنع من وجود المجاورة . فقد اتّضح أنّ وجود التأليف واجب عند وجود المجاورة وجوب المعلول عن العلّة .
واعلم أنّ التأليف صحّ بقاؤه ولا سبب له إلّا المجاورة . ولا يصحّ وقوعه منّا ، إلّا على سبيل التوليد . وقد ظنّ بعض الناس أنّ التأليف الواحد يتولّد من المجاورة وذلك غير صحيح ، لأنّ المجاورة عبارة عن كونين ضدّين في محلّين لا يصحّ أن يكون بينهما ثالث ، والشيء الواحد لا يتولّد عن ضدّين .
والصحيح أنّ كلّ واحد من الكونين يولّد تأليفا ويحلّ التأليف محلّ الكون ، ولا يولّد الكون إلّا في محلّه إلّا أنّ التأليف من حيث يفتقر عند الوجود إلى محلّين يحلّ محلّ سببه والمحلّ الذي يتّصل بمحلّ سببه .
فعلى هذا لا يتولّد من المجاورة أقلّ من تأليفين يتولّد عن كلّ واحد منهما تأليف . ويحلّ محلّ سببه ، والمحل الذي يتّصل بمحلّه . وليس الأمر على ما ظنّ بعض الناس أنّ المجاورة يولّد في غير محلّه قياسا على الاعتماد ، فإنّ التوليد في غير محلّ السبب يختصّ الاعتماد حسب .
ولهذا المعنى لا يصحّ إحداث جزء واحد من التأليف على سبيل التوليد ، ويصحّ من القديم تعالى إحداث جزء من جنس التأليف على سبيل الاختراع عند تجاور المحلّين . ويصحّ أيضا من القديم تعالى إحداث أجزاء كثيرة .
والتأليف وإن كان متولّدا من المجاورة ، فلا يجب عدمه عند عدم المجاورة إذا لم يفترق المحلّان . وذلك لأنّه لا يفتقر في استمراره إلى أكثر من تجاور المحلّين .
الحدود ( المعجم الموضوعي للمصطلحات الكلامية ) — صفحة 42
مساهمون: محمد بن الحسين النيسابوري المقري
ص٤٢