فصل نذكر فيه ما يراعى في الحدود ونختم به الكتاب :
اعلم أنّ الحدّ هو الكشف عن الشيء بعبارة أوضح منه . ومن حقّه أن يكون جامعا مانعا يجمع فيه ما هو منه ويمنع منه ما ليس فيه . ولهذا قيل : يجب أن يكون الحدّ مطردا منعكسا .
بيان ذلك : قولهم : الجوهر ما له حيّز في الوجود ، فكلّ ما له حيّز في الوجود فهو جوهر . وما ليس له حيّز عند الوجود ، فليس بجوهر . فهذا الحكم واجب في كلّ حدّ ، وهو شبيه بكلام العرب من أحد وجهين :
أحدهما : أن يكون حدّ الشيء في اللغة : منتهاه وغايته .
الثاني : أن يكون الحد مأخوذا من المنع . ولذلك سمّي السجّان حدادا ، لأنّه يمنع الناس من الدخول والخروج .
ثم اعلم : أنّ الحدود مبنية على العبارات دون المعاني ولذلك قيل : لا مدخل للحدّ فيما يعلم بدليل العقل ، لأنّ الحدّ متعلّق بالعبارة ولا سبيل للعبارة فيما طريقه العقل .
والغرض بذكر الحدّ تعريف معنى اللفظ ، لأنّه إذا كان المحدود غامضا يذكر بلفظ أوضح منه . ولذلك لا يحسن تفسير ما كان غاية في الوضوح . ولهذا المعنى اقتصروا في إبانة الشيء عن غيره في كثير من الأشياء على الإشارة ، ألا ترى