ولا يجوز أن يقال في حدّ الغيرين ما قاله البغداديون : من أنّ وجود أحدهما يمكن مع عدم الآخر إمّا بزمان أو مكان أو وجه من الوجوه أو سبب من الأسباب ، لأنّ ذلك ينتقض بما لا يحصى كثرة ، ألا ترى أنّ من يذهب إلى قدم الأجسام بعلم يغايرها وإن لم يعلم جواز وجود بعضها مع عدم البعض ويصحّ اعتقاد قديمين غيرين مع استحالة انفكاكهما .
والصحيح في حدّ الغيرين أن يقال : كل معلومين تميّز كلّ واحد منهما بذكر يخصّه فهما غيران . ويجوز أن يذكر في الحدّ ما يكون مجازا إذا كان كاشفا عن معناه وهذا كما نقول في حدّ الكلام ما له نظام مخصوص ، فإنّ استعمال النظام توسّع في الكلام .
وكذلك قولنا في الكشف عن العلم باقتضائه سكون النفس لأنّ سكون النفس في هذا المعنى توسّع ومجاز .
وأمّا قولنا في حدّ الشيء بأنّه يصحّ أن يعلم ويخبر عنه ، فليس بحدّ على الحقيقة . وانّما نقول لفظة شيء تقع على كل ما يصحّ أن يعلم ويخبر عنه ولذلك قلنا : إنّه من أعمّ الأسماء وأوّلها وضعا .
ومهما أمكن أن يذكر في الحد ، عبارة مفرده ، فلا يجوز أن يعدل عنها إلى ذكر الحكم ، فإذا تعذّر ذلك جاز أن نذكر الحكم في الحدّ . ولهذا قلنا في حدّ القادر من اختصّ بحال ، لكونه عليها يصحّ منه الفعل ، لأنّا لم نجد عبارة تنبئ عن تلك الحال أوضح من ذلك . واحتجنا إلى ذكر الحكم .
واعلم أنّ الكلام في الحدّ لما كان كلاما في العبارة ، فلا بدّ فيه من اعتبار الوضع والاصطلاح ، لأنّ العبارة لا تخلو من أن تكون لغوية أو عرفية أو شرعية ، فإن كان اللفظ لغويّا فالمرجع فيما يحدّ به إلى اللّغة ، لأنّه يجب أن يكون موافقا لما وقعت عليه المواضعة . وإن كان اللفظ شرعيا فالاعتبار فيه بموضوعات الشرع ،
الحدود ( المعجم الموضوعي للمصطلحات الكلامية ) — صفحة 123
مساهمون: محمد بن الحسين النيسابوري المقري
ص١٢٣