والثالث : أن قبيل الأكوان يصحّ عليه البقاء ، فلا يصحّ أن يقال إنّ الجسم يعدم لعدم الكون ، لأنّ وجوده يضمن به . وإنّما قلنا ذلك ، لأنّ الجسم لا يصحّ وجوده إلّا مع كون ما ، ثم لا يصحّ خلوّه منه أو من ضدّه .
والرابع : أنّ العدم صحيح على الأجسام ، لأنّها محدثة ، والمحدث لا يجب وجوده على الإطلاق ، غير أنّ العقل لا يدلّ على أكثر من صحّة عدمها .
وانّما نعلم بالسمع أنّ الأجسام ستقدّم لا محالة وهو الخامس من المسائل .
والدليل على ذلك : أنّ اللّه تعالى أخبرنا بأنّه يعدم الأجسام بقوله تعالى :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ
« 1 » ويعيدها للجزاء والمقابلة بقوله تعالى :
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا
« 2 » .
ووجه الاستدلال من الآية الأولى هو أنّ اللّه تعالى كان أوّلا ولا شيء معه يجب أن يكون آخرا ولا شيء معه .
فلو بقيت الأجسام وما معها من الاعراض ، لما صحّ أن يكون القديم تعالى آخرا ، ولا شيء معه ، فلا بدّ إذا من أن يعدمها ، ليصحّ هذا القول ، ثم يعيدها للجزاء لما تقدّم . وهذه المسألة من جملة هذه المسائل التي لا تعلم إلّا بالسمع .
ولذلك قال أصحابنا : لا يصحّ إثبات الفناء إلّا باعتبار السمع على ما ذكرت .
والسادس : أنّ الجسم لا يجوز أن ينتهي إلى حال يجب عدمه على ما زعم بعض الناس ، لأنّه لو كان كذلك ، لما امتنع أن يؤخّر اللّه تعالى احداث الجسم إلى الوقت الذي يجب عدمه في الثاني فيحدثه في ذلك الوقت ويجب عدمه في الوقت
هامش
( 1 ) - الآية 3 ، من سورة الحديد :هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
( 2 ) - الآية 104 ، سورة الأنبياء :يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ.