أنّهم إذا سئلوا عن حدّ الانسان ، قالوا هذه الجملة المشاهدة . وربّما أحالوا السائل إلى ما نجده من نفسه ولا يمكنه دفعه كما ذكرنا في حدّ المريد والمدرك والناظر .
ولذلك يمتنع أهل التحقيق من تحديد الموجود ، لأنّ كلّ لفظ يحدّ به الموجود ، فالموجود أظهر منه . ولهذا عيب على حدّ الموجود بأنّه الكائن أو الثابت .
أو بأنّه يختصّ بحال ينكشف به حكم المخالفة والمماثلة .
ولا شك أنّ قولنا موجود ، أوضح من جميع ذلك . ولا يجوز أن يحدّ الشيء بما لا يعلم إلّا بعد العلم بالمحدود ، كما قال أبو علي : الواجب ما له ترك قبيح ، لأنّ هذا يقتضي أن لا يعلم الواجب إلّا بعد العلم بالترك .
ولا يجوز أن يحدّ الشيء بما هو محدود به ، وذلك مثل قول المجبّرة في حدّ الكسب : « هو ما وقع بقدرة محدثة » لأنّهم لو سئلوا عمّا وقع بقدرة محدثة رجعوا إلى ذكر الكسب ، فهذا على الحقيقة ، تفسير الشيء بنفسه .
ولا يجوز أن يذكر في الحد ، أكثر ممّا يقع به الإبانة والتمييز . ولذلك لا يستحسن في حدّ العلم الاعتقاد الذي يتعلّق بالمعتقد على ما هو به مع اقتضائه سكون النفس ، لأنّ قولنا : « العلم ما يقتضي سكون النفس » يغني عن هذه الإطالة ، وبه تقع الإبانة .
الحدّ يجب أن يكون مطردا أو منعكسا ، ولهذا المعنى كان المستفاد بالحدّ هو المستفاد بالمحدود لأنّ الحدّ في الحقيقة هو المحدود .
ولذلك كان العلم بالحد هو العلم بالمحدود إلّا أنّ أحد اللفظين كاشف للآخر وإذا لم تكن إحدى العبارتين أوضح من الثانية ، فلا يجوز أن تحدّ إحداهما بالأخرى ، ألا ترى أنّ العلم والمعرفة لما كان سواء في الجلاء والظهور ، فلا يجوز أن يحدّ أحدهما بالآخر .
الحدود ( المعجم الموضوعي للمصطلحات الكلامية ) — صفحة 122
مساهمون: محمد بن الحسين النيسابوري المقري
ص١٢٢