الوجه الثاني « 1 » في الجواب عن هذا السؤال : هب أنّ عليا ما كان بالغا في ذلك الوقت ، لكن لا امتناع في وجود إسلام صبيّ كامل العقل قبل سنّ البلوغ ، ولهذا المعنى حكم أبو حنيفة بصحة إسلام الصبي ، وعلى هذا التقدير فصدور الإسلام عن عليّ عليه السلام وقت الصبا يدلّ على فضله من وجهين :
الأول : إنّ الغالب على طبع الصبيان الميل إلى الأبوين ، ثم إنّ عليا خالف الأبوين وأسلم ، فكان هذا من فضائله .
الثاني : إنّ الغالب على الصبيان الميل إلى اللعب ، فأمّا النظر والفكر في دلائل التوحيد والنبوّة فغير لائق بهم ، فكان اشتغال عليّ عليه السلام بالنظر والتفكّر في دلائل التوحيد وإعراضه عن اللعب في زمان الصبا من أعظم الدلائل على فضيلته ، فإنّه عليه السلام في زمان صباه كان مساويا للعقلاء الكاملين .
قوله : « حصل للإسلام بسبب إسلام أبي بكر شوكة ونوع من القوّة ولم يحصل بسبب إسلام عليّ عليه السلام البتة شيء من القوّة » قلنا « 2 » : هذا الفرق أنّما يظهر لو ثبت أنّ أبا بكر كان محترما موقرا فيما بين الخلق قبل دخوله في الإسلام ، وهذا ممنوع ، وإذا كان كذلك لم يظهر الفرق الذي ذكرتم .
فثبت بما ذكرنا أنّ إسلام عليّ عليه السلام كان متقدّما على إسلام أبي بكر ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون عليّ عليه السلام أفضل من أبي بكر ، لقوله تعالى :
السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
« 3 » وقوله تعالى في مدح الأنبياء عليهم السلام :
إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ
« 4 » » . « 5 »
هامش
( 1 ) كلام الرازي .
( 2 ) كلام الرازي .
( 3 ) الواقعة : 56 / 10 .
( 4 ) الأنبياء : 21 / 90 .
( 5 ) من قوله : « لا يقال الدليل على أنّ إسلام أبي بكر كان قبل إسلام عليّ عليه السلام » إلى هنا كلام الرازي في « كتاب الأربعين » ص 471 - 472 .