وأبو بكر أسلم حين كان بالغا عاقلا ، والناس قد اختلفوا في إيمان الصبي ، وكيف كان فلا شكّ أنّ إسلام العاقل البالغ الصادر عن الاستدلال أفضل من إسلام الصبي الذي لا يكون بالغا .
سلّمنا أنّ عليا رضي اللّه عنه كان بالغا وقت إسلامه إلّا أنّه لا شكّ أنّه في ذلك الوقت ما كان مشهورا فيما بين الناس ولا محترما ولا مقبول القول ، بل كان كالصبي الذي يكون في البيت ، فما كان يحصل بسبب إسلامه قوّة وشوكة في الإسلام ، فأمّا أبو بكر فإنّه كان شيخا محترما أجنبيّا فحصل للإسلام بسبب إسلامه قوّة وشوكة ، فكان إسلام أبي بكر أفضل من إسلام عليّ عليه السلام .
لأنّا نقول : « 1 » أمّا الخبر الذي تمسكتم به في إثبات أنّ إسلام أبي بكر سابق على إسلام عليّ عليه السلام فهو من باب الآحاد ولا يفيد العلم .
قوله : « إنّ عليا حين أسلم ما كان بالغا » قلنا « 2 » الجواب عنه من وجهين :
الأوّل : أنّه لا نسلّم أنّه أسلم قبل البلوغ ويدلّ عليه أنّ سنّ عليّ كان بين خمس وستين سنة وبين ستّ وستين سنة ، والنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان قد توفّي بعد الوحي بثلاثة وعشرين سنة ، وعليّ عليه السلام بقي بعد النبي قريبا من ثلاثين ، فإذا أسقطنا مدة ثلاث وخمسين سنة من ست وستين بقي ثلاثة عشر سنة ، فإذا كان عليّ بن أبي طالب عليه السلام وقت أوّل الوحي على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيما بين اثنتي عشر سنة وبين ثلاثة عشر سنة ، وبلوغ الإنسان في هذا السنّ ممكن ، فعلمنا أنّ كون عليّ عليه السلام بالغا وقت نزول الوحي عليه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أمر ممكن ، وإذا ثبت الإمكان وجب الحكم بوقوعه لما روي أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال لفاطمة : « زوجتك أقدمهم سلما وأكثرهم علما » « 3 » . ولو قلنا إنّه ما كان بالغا حين أسلم لم يصحّ هذا الكلام .
هامش
( 1 ) كلام الرازي .
( 2 ) كلام الرازي .
( 3 ) « المناقب » للخوارزمي ص 106 مع اختلاف يسير ؛ « شرح المواقف » ج 8 ، ص 368 ؛ « مسند أحمد بن حنبل » ج 5 ، ص 26 .