وللقاضي عبد الجبار كتاب في علم الكلام أسماه « التجريد » ، ولا يبعد أن يكون المحقّق الطوسي قد أخذ اسم كتابه من كتاب عبد الجبار أو متأثرا منه .
إنّ إيجاد الصلة والعلاقة بين الفلسفة والعقائد الدينية كانت من متمنيات أكثر العلماء ، وكتاب التجريد كان ممتازا من هذه الجهة ويعرف بهذه الخصوصية فقد عجن جميع المباحث الكلامية والآراء والأفكار الدينية بالبراهين والقواعد الفلسفيّة ، فإنّ البحث عن الأمور العامّة ومسألة نفس الأمر لم يكن معهودا بين الكتب الكلامية والمتكلّمين ، ولكن المحقّق الطوسي قد ألبسهما بلباس علم الكلام ، وقد تبعه في هذا المنهج عضد الدين الإيجي والتفتازاني في المواقف والمقاصد .
ومن أهمّ ميزات هذا الكتاب اختصاره غاية الاختصار ، وإن كان المحقّق الطوسي قد راعى الاختصار في جميع كتبه مثل « قواعد العقائد » و « أوصاف الأشراف » وحتى في « شرح الإشارات » و « أساس الاقتباس » ؛ إلّا أنّ له مزيد اهتمام في اختصار كتابه « التجريد » إمّا لأن يسهل حفظه أو لغرض آخر .
وفي هذا الكتاب قد أخّر مبحث المعاد عن مبحث النبوة والمعاد - كما هو المتعارف المتداول المعهود الآن - وأمّا المتقدّمون عليه فيقدّمون « المعاد » عليهما لشدّة ارتباط الوعد والوعيد والثواب والعقاب بصفات اللّه تعالى وخصوصا بمسألة العدل كما لا يخفى . وأمّا إثبات النبوة ببرهان اللطف كما في « التجريد » فليس له صلة عميقة بمبحث العدل ، كما أنّه لا ارتباط بين مسألة الإمامة والمعاد .
وكيف كان فقد أبدى المحقّق الطوسي في « التجريد » آراء ونظرات جديدة ما نعرف له سابقة .
ثمّ يجب علينا أن نشير إلى مبحث الإمامة في « التجريد » وأنّه من أروع مباحثه ، ولا يبعد أن يدّعى أنّ المحقّق الطوسي حيث لم يمكنه البحث عن الإمامة والخلافة في كتبه الفلسفية فقد خاض في علم الكلام للبحث عن هذه المسألة
الحاشية على إلهيات الشرح الجديد للتجريد — صفحة 19
مساهمون: المحقق الأردبيلي
ص١٩