لا يمنع منصف مقدّمة من المقدّمتين : الأولى وهي أنّه أفضل ، فإنّه واضح كالشمس ، وقد أشرنا إلى بعض المنبّهات وسيجيء بعضها مفصّلا بحيث لا يمكن إنكاره . والثانية وهي أنّ إمامة المفضول للأفضل قبيحة وهي عقلية .
ويدلّ عليه النقل أيضا من الآيات والأخبار .
مثل قوله تعالى :
أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
« 1 » . بل فيه دلالة على أنّها عقلية ، فثبتت الحسن والقبح العقليين . فافهم .
ومثل قوله تعالى :
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ
« 2 » حيث دلّت على أنّ المكان الذي ليس له شرف إلّا بالمتمكّن إذا كان أسّس على التقوى وبني عليه وما بني للرياء والسمعة والفساد أحقّ بالصلاة ، والجلوس فيه أولى وأحقّ من مكان ليس كذلك ؛ فيدلّ على أنّه أفضل . ومن لم يعبد صنما قطّ أحقّ أن يتّبع ممّن عبد صنما وبعد أن سلّم « 3 » في الفضل والعلم والتقوى مثل غيره .
وهو ظاهر . وهذه أيضا مشعرة بالحسن والقبح العقليين فافهم .
ولحكاية صاحب الدير تتمّة ما ذكره « 4 » ومذكور في غيره ، وهو أنّه سأله عليّ عليه السلام عن سبب إسلامه ؟ فقال : قرأت في كتابنا أنّه لم يطلع على هذا القليب إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ ، ولمّا علمت أنّك لست بنبيّ فعلمت أنّك وصيه الحق
هامش
( 1 ) يونس : 10 / 35 .
( 2 ) التوبة : 9 / 108 .
( 3 ) أي لو سلمنا أنّ الخلفاء الثلاثة في الفضل والعلم والتقوى مثل أمير المؤمنين عليه السلام فلا مناص عن ترجيحه لأنّه لم يعبد صمنا قطّ .
( 4 ) إليك نصّ كلام الشارح القوشجي في « شرج تجريد العقائد » ص 370 : « روي أنّه لما توجّه إلى صفين مع أصحابه أصابهم عطش عظيم ، فأمرهم أن يحفروا بقرب دير ، فوجدوا صخرة عظيمة عجزوا عن نقلها ، فنزل عليّ عليه السلام فاقلعها ورمى بها مسافة بعيدة ، فظهر قليب فيه ماء ، فشربوا عنها . ثم أعادها ولما رأى ذلك صاحب الدير أسلم » . ولم يذكر تتمّة الحكاية .